السبت، 17 أغسطس 2013

مسؤوليتنا اتجاه الثورة منقولة

الكثيرون الآن حائرون والأكثر محبطون لما آلت له الثورة المصرية، نظاماً لم يسقط وما يعتقد أنها ثماراً قد اقتطفها بل اختطفها تياراً واحداً لا يؤمن فى الحقيقة بما ثار الثوار من أجله، مساراً يراه الكثيرون كارثى ولكنى على العكس أراه أفضل مسار للثورة إذا وعينا واقعنا كثوار واغتنمنا ما أعتبره أفضل مسار للثورة

ولنعى واقعنا يجب أن نفهم نقطتين، أولهما أن سلوكنا جميعاً ينتمى فى مجمله لسلوك الحركات الاحتجاجية فنحن فى مجملنا كقوى مدنية، علمانية، ليبرالية أو يسارية أو ديمقراطية اشتراكية لم نعمل قط بالسياسة طيلة السنوات الماضية وليس لنا أى خبرة عملية فى مجال السياسة، ناهيك عن إدارة شئون الدولة، فالنظام السابق أمعن فى تهميشنا وتجهيلنا كطبقة وسطى. أما ثانى نقطة فهى أن الشعوب لا تهمها الثورات بقدر ما تهمها المكاسب الملموسة لتلك الثورات، فإن لم ترى ثمار الثورة فإنها تنقلب عليها وعلى الثوار. وفى ظل تلك الحقيقتان فإن تخيل وصول الثوار للسلطة منذ عام هو تصور مرعب، فلا الثوار لهم أى عمق وخبرة سياسية أو إدارية ولا الشعب على استعداد أن لا يرى ثمار الثورة، إخفاق محقق ووأد للثورة فى مهدها. ولكى لا يستنكر أحد ذلك الطرح يكفى أن نرى نتيجة انتخابات مجلس الشعب، لسنا مستعدين تنظيمياً ولا هيكلياً وليس لدينا خبرات أو كوادر حزبية سياسية لتحمل المسئولية، لقد كانت الأحزاب تبحث عنن من تضع أسمائهم فى قوائمها فلا تجد، وكان من المخزى مثلاً أن تضع أحزاباً محسوبة على الثورة فلولاً فى قوائمها، بل وكان الأكثر خزياً ألا تجد أحزاباً يسارية تدعى مناصرتها لحقوق العمال عمالاً ترشحهم على قوائمها. والحقيقة أن الثورة التى كان ثوارها كثيرون لم يكن لديها من مخزون السياسيين من يقدر على ملء فراغ السلطة، وأن كان قد حدث واستحوذت الثورة على السلطة لسرعان ما كانت ستقمع الشعب لأنها لا تستطيع تقديم ما ينتظره الشعب من الثورة تماماً مثلما تحولت كل الأنظمة الإفريقية إلى ديكتاتوريات تحكم بقوة السلاح بعد حركات التحرر المليئة بالأمل فى منتصف القرن الماضى. إننى أتوقع أن يحدث هذا لتيارات الإسلام السياسى التى استحوذت على السلطة قريباً فهى ليس لديها الكثير مما يمكن تقديمه فى ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة وسيرى الشعب إن عاجلاً أو آجلاً أنها أوعية جوفاء تحمل الوعد دون أن تحمل الوسيلة وستلجأ للقمع فى مرحلة ما للاحتفاظ بمكاسبها السياسية فى مواجهة مطالب مستحقة من الشعب

فماذا إذاً الآن؟ الكثيرون حائرون فيما ينبغى عمله الآن، محاولة التعبئة واحتجاجات حتى إسقاط النظام؟ أم قبول ما هو واقع من هيمنة العسكر والإسلاميين؟ ثورة مستمرة منهكة أم انخراط فى عملية إصلاحية عقيمة؟
وحقيقة الأمر أن الإجابة على السؤال تكمن فى جوهر الثورة نفسها، هدم لنظام وبناء لنظام أفضل، الإجابة فى أهداف تلك الثورة التى غابت عن أعيننا، كرامة، حرية، عدالة اجتماعية وكل ذلك من خلال إرساء دولة الديمقراطية. والديمقراطيات الحديثة كما نراها تحتاج إلى حياة حزبية سليمة، بها أحزاب قوية فاعلة حاضرة فى المجتمع تعطى الناخب بدائل وخيارات، أحزاب تتجه إلى الناخب لتتلمس واقعه واحتياجاته قبل أن تقدم الحلول وتحاول بناء مجتمع يعى مصالحه ويستطيع الاختيار لكى تنجح التجربة الديمقراطية
وفى الحقيقة فإن خيارنا فى التغيير فعلاً ثورياً جذرياً راديكالياً أو إصلاحياً ناعماً فإننا يجب أن نعمل على خلق الكيان القادر على تحمل مشقة السلطة والعمل على تحقيق أهداف الثورة، وبالقطع فإن السلوك الاحتجاجى والحركات الاحتجاجية لا تصلح لملء ذلك الفراغ، إنها فقط طبائع الأمور

إن الشكل الذى تحتاجه التجربة الديموقراطية فى مصر الآن هو فى الواقع الأحزاب، فبدون أحزاب مدنية ليبرالية أو يسارية أو ديمقراطية اشتراكية قوية ستكون نتيجة أى تجربة ديمقوقراطية قائمة على التمثيل النيابى (البرلمان) هى هيمنة كاملة لتيار الإسلام السياسى، ولكى تكون تلك الأحزاب قوية فاعلة تقف موقف الند فى الانتخابات القادمة يجب أن تعمل على ثلاث محاور:
أ- بناء الحزب داخلياً
ب- وضع جذور للديمقراطية والحرية فى وعى المجتمع المصرى
ج- محاربة الفساد على كافة المستويات
وأما عن بناء الأحزاب داخلياً فإنى أرى خمس نقاط مهمة ليست موجودة ويتميز بها التيار الإسلامى عنا وهى كالتالى:
أ- التنظيم والإدارة
ب- الهيكلة الصحيحة
ج- إنماء الخبرة السياسية لأعضاء الحزب عن طريق العمل الحزبى المستمر
د- خلق قواعد شعبية عن طريق التفاعل اليومى مع الشارع وفهم مشاكله اليومية وتقديم كل ما يمكن تقديمه فى العمل المجتمعى من مأكل وملبس ومشفى وتعليم ودعم قانونى لمشاكل فئات المجتمع المختلفة
هـ- خلق كوادر حزبية سياسية تستطيع المنافسة الحقيقية فى الانتخابات التشريعية والمجالس المحلية عن طريق الدراسة والخبرة العملية بين الجماهير. وخلق كوادر تكنوقراطية تستطيع ترجمة برامج تلك الأحزاب لمشروعات حقيقية يمكن تنفيذها وعمل دراسات علمية حديثة تعنى بكيفية إدارة مؤسسات الدولة وبيروقراطيتها.

إن ما أقوله لا يعنى أن نتوقف عن العمل الثورى ونتجه فقط للعمل الحزبى، إن ما أقوله هو أن العمل الثورى يجب أن يوازيه عمل حزبى يبنى كيان أو كيانات تؤمن بمبادئ الثورة وقادرة على تحمل مسؤولية السلطة حين تنجح الثورة، فما نحن فيه الآن نتيجة مباشرة لعدم وجود تلك الكيانات.

إن من أهم مكاسب ثورتنا هى أن الروح قد دبت من جديد فى الحياة السياسية وتحرك الكثيرين من الطبقة الوسطى والدنيا وحتى البرجوازية من أجل الحرية والديموقراطية والاهتمام بالسياسة والحقوق المشروعة لنا كمواطنين، وتكون الثورة قد ماتت فعلاً إذا ما استمرت فى نزيف خسارة هؤلاء من قلبها، تكون قد ماتت إن عاد هؤلاء إلى الانصراف عن السياسة. وإن كنا نسعى جميعاً للتأسيس للديموقراطية والحرية فإن واجب كل منا ومسؤوليتنا نحو تلك الثورة هى أن نعمل لبناء تلك الأحزاب التى نتندر ونسخر منها وقد عدنا إلى موقف المشاهد. إن لم نعمل ونتطوع ونبنى تلك الأحزاب المدنية لتستطيع المنافسة وتحمل المسؤولية فى مرحلة قادمة من الثورة فلا يجب أن نلم إلا أنفسنا إن اكتسح الإسلام السياسى الانتخابات القادمة مجدداً، إننا فى عملنا لبناء تلك الأحزاب المدنية وإرساء أهداف الثورة فى جنباتها إنما نؤسس للديموقراطية التى هى الطريق لتحقيق أهداف الثورة، ولا تقل أنك لا تفهم فى السياسة، فالعمل الحزبى ليس فقط سياسة بل هناك الكثير من أعمال التنظيم والإدارة والعمل المجتمعى إلخ… وأيضاً يمكنك من خلال العمل فى بناء حزب تثقيف نفسك سياسياً فتكون مفيداً فى محيطك.

إننا إن فترنا وعدنا إلى مقاعد المتفرجين فإننا نفرط فى ثورتنا بل ونخونها، إن ظللنا نحتج ونعمل على هدم النظام بدون العمل الموازى على خلق بديل قوى فإننا نعمل من أجل أن يربح مجدداً خصومنا، لذا فأنا أدعو كل من شارك فى الثورة للانضمام لحزب يمثل ميوله السياسية والتطوع بالقليل من الجهد والوقت فى بناء ذلك الحزب المدنى، فتلك مسؤوليتنا تجاه الثورة

ليست هناك تعليقات:

قران كريم