‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات واعمدة كتاب محترمين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات واعمدة كتاب محترمين. إظهار كافة الرسائل

السبت، 30 مارس 2013

مقالات الكاتب والشاعر الكبير فاروق جويدة منقولة

شارك برايك يهمنا Feedback Feedback mhassanabo@gmail.com maboeleneen@yahoo.com وصلتني رسائل كثيرة حول اقتراح المستشار زكريا عبد العزيز بإقامة مؤسسة لرعاية اطفال الشوارع وتوفير حياة كريمة لهم ضمن مشروع إنساني واجتماعي. لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة التي تضم الملايين من اطفال مصر الذين تحولوا إلي الغام تهدد المجتمع..وقد تلقيت رسالة تأكيد لهذه الفكرة ودعما لها من المحامي الأستاذ مقبل حمزة يقول فيها: لقد لمس مقالكم عن اطفال الشوارع مشاعري بقوة فقد دار الحديث بيني وبين صديق يقيم في الدانمارك عن هذا الموضوع منذ سنوات ما قبل الثورة وبعدها وكان دائما يردد انه عار علينا ان نري ونقبل ونتعايش مع فكرة وجود أولاد الشوارع ولم يغادر فكري منذ ذلك الحين هذا الموضوع لأن هناك الالاف من ابناء مصر رجالا ونساء ممن هم علي إستعداد كامل لتبني مشروع مثل ذلك الذي اقترحه السيد المستشار زكريا عبد العزيز سواء كانت المشاركة بالمال أو بالجهد والعرق لمن يملكون الخبرة وخاصة سيدات مصر اللاتي يتمتعن بقسط كبير من التعليم والثقافة ولم يمارسن العمل الأجتماعي وليس هناك أنبل من العمل في مشروع مثل ذلك وسوف أعمل في هذا المشروع دون مقابل وأني علي يقين إذا ما تمت إدارة مؤسسة مثل تلك التي نتحدث عنها قد يكون حلا جذريا لهذه المأساة وهنا اقترح ان تسند إدارتها لقواتنا المسلحة لما تتمتع به من ظبط وربط وحزم وما لديها من مجندين علي أعلي مستوي علمي. إذا ما بدأنا سويا هذا المشروع فإنه لدي قناعة كبيرة في مشاركة مؤسسات وخبرات أجنبية في معالجة المشاكل النفسية والاجتماعية لهؤلاء الأحداث وهي لب المشلكة وجوهرها. الفكرة جميلة وانسانية وتستحق دعمكم والمشاركة الفعلية التي تتعدي بكثير الكتابة وطرح المشكلة دعنا نعمل في مشروع مثل ذلك ولنتخذ منه اسما زأولاد مصرس بدلا من أولاد الشوارع ان ابناء هذه المؤسسة يمكن ان يكون منهم إن شاء الله اعظم العلماء والفنانين والرياضيين اقول..ان الاقتراح جدير بالمناقشة سواء علي مستوي الدولة ومؤسساتها الرسمية أو مؤسسات المجتمع المدني بحيث يقام مشروع يحمل اسم أولاد مصر وليس أطفال الشوارع. http://fgoweda@ahram.org.eg

الجمعة، 29 مارس 2013

جلال عامر بقلم رامى اﻻبن. منقولة

شارك برايك يهمنا Feedback Feedback mhassanabo@gmail.com maboeleneen@yahoo.com مقدمتى لكتاب (قُصر الكلام) لـ "جلال عامر" والصادر عن دار الشروق.. ******************************** ((عن أبي أتكلم)) بقلم: رامي جلال عامر **************** بعد انفصال سوريا عن مصر وقف السفير السورى يقدم أوراق اعتماده لعبدالناصر فقال: «أقدم إليك اليوم أوراق اعتمادى سفيراً، وكأننى ما عشت يوماً فى دولة أنت رئيسها»، فبكى الحاضرون.. ويطلب منى الجميع اليوم أن أتحدث عن جلال عامر وكأننى ما كنت أتحدث معه منذ أيام، يطالبوننى بالحديث عن التشخيص الخاطئ لأطباء هواة فى بلد الشهادات، أو الرفض القاطع لعربة الإسعاف الحضور فى منظومة فاسدة، ودائماً ما يراودنى مشهد خيالى مفاده أننى إذا قلت لمسؤولى الإسعاف الأغبياء يومها إن الراقصة الفلانية تحتاج إليهم، لا أظنهم كانوا سيتأخرون، فمصر لا تُبقى على من «يحبها» لكنها تُبقى على من «يهزها»! مشاهد لا حصر لها جمعتنى بجلال عامر، لكن يبقى أمام عينى مشهد النهاية، إحدى أصعب اللحظات التى قد تمر على ابن، فحين تضع والدك فى الكفن، فأنت فى الحقيقة تقطع جزءاً من جسدك وروحك وتستعد لإكمال حياتك دونه، تذكرت كيف كان يعتنى بى وأنا طفل صغير، أدركت لحظتها أنه كبر لدرجة أنه صار طفلى.. ملت عليه قائلاً- وكأنه يسمعنى: «ما تقلقش، كله هيكون تمام، إنت سايب راجل».. كنت أحسد الجميع لأن لديهم رفاهية البكاء، أما أنا فللأسف حُرمت من تلك النعمة.. خلال الأيام الثلاثة الأولى من الرحيل ظل عدد من يدعون أنهم أوصلوا أبى إلى المستشفى بعد تعبه فى ازدياد، حتى ظننت أن المظاهرة كان هدفها الوصول للمستشفى لإيداع جلال عامر والمطالبة بعزل المدير! تفهمت الأمر على أساس أن هذا طبيعى فى مثل هذه الظروف، وللكاميرات سحر تصعب مقاومته!! وللأمانة أنا لا أعرف إلى الآن، هل حقاً مات الرجل أم مات إحساسى بموته! يقول محمود درويش: «هزمتك يا موت الفنون جميعها»، وأعلم أن أبى سيبقى مع الجميع بأفكاره وكتاباته، لكن بالنسبة لى الأمر مختلف، فقد فقدت «كل شىء»، كان يملأ كل فراغ بشكل بارع ومكثف مثل كتاباته، مشتركات كثيرة بيننا تجعل منا «توأم سيامى»، إذا مات أحدهما وجب على الآخر الموت، وظنى أننى إن استوعبت رحيله سأرحل فوراً، وهو ما لن تتحمله أسرتى الآن، لذلك نؤجل اللقاء، لكن سيظل قول «ناظم حكمت» ماثلاً أمامى باستمرار: (فى مغيب آخر أيام عمرى، سوف أراك وأرى أصدقائى، ولن أحمل معى تحت الثرى غير حسرة الأغنية التى لم تتم).. الله يرحمك يا جلجل.

الأحد، 24 مارس 2013

ماذا قالوا عن اﻻخوان الكاتب محمد المخزنجى. منقولة

شارك برايك يهمنا Feedback Feedback mhassanabo@gmail.com maboeleneen@yahoo.com رسالة صارخة الاحمرار تمهيد: يقول تعالى فى الآية 26 من سورة البقرة: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَة فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيرا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) متن الرسالة: يحل الليل فينتهى دور عيونها المدورة اللامعة التى لا تعدو كونها أداة تحسُّس فى سكونها النهارى وقبوعها فى عتمات أسقف الكهوف والمغارات المهجورة وتجاويف الشجر المنخور. الآن تنطلق فى فضاء الظلمة خافقة بأجنحتها الغشائية الجلدية المفرودة على أصابع طويلة نحيلة مفتوحة تحاكى الأذرع والأكف. تذكرنا بأن لنا أقارب على هذا الكوكب لا نتصور أحيانا بل نمتعض من أن يكونوا أقاربنا أو حتى أشباه ولو فى تركيب عظام الأطراف. هم مثلنا من الثدييات، لكنهم على تواضع أو وضاعة شأنهم يتفوقون علينا بقدرتهم على الطيران. بل يتفردون بأنهم الثدييات الوحيدة التى تطير. تظل لاطية فى وضع مقلوب بأسقف مساكنها المتوارية المعتمة حتى تبتلع ظلمة الغسق آخر شعاعات الشمس الغاربة فتنطلق. يتفجَّر من صمت كهوفها ومغاراتها ضجيج من خفق الأجنحة الجلدية يطوى فى ثناياه أصواتا حادة تبدأ فى إطلاقها متى ما همَّت بالطيران. ترسلها لترتد إليها أصداء ترسم لها صورة العالم من حولها. تحللها برامج عقولها فائقة السرعة والدقة فلا تصطدم بشىء ولا تفوتها فرصة طعام طائر ولو فى حجم بعوضة. إنها حاسة «الصدى المكانى» التى «ترى» بها الخفافيش فى الضوء الشحيح والظلمة السابغة. ترى بأسماعها. ألف نوع من الخفافيش تشترك فى تلك الرؤية بالأسماع ويزيد نوع واحد منها على ذلك بأنه يرى بأنفه. وأنفه لا تتشمم فقط بل ترصد بدقة خارقة تفاوتات درجات الحرارة فى الجسم الذى تستهدفه. ثنية فى الأنف المجعد تحدد أكثر بقعة إشعاعا بالحرارة فى جسد الهدف الذى يحط بقربه الخفاش. بقرة تكاد لا تشعر بما يقترب منها ويُدبَّر لها. لسنا بصدد عملية قنص خاطف، بل سلب حثيث يقتضى التساحب فى حذر. وها هو الخفاش مصاص الدماء يمشى على أربع بطريقة عجيبة. يتحول جناحاه المطويان إلى قوادم تتبادل الخطو مع رجليه. ويستمر تقدم الخفاش الضئيل الجائع تساحبا ثم تسلقا على جسم الفريسة حتى يصل إلى بقعة السخونة الأوفر. هنا يبدأ عمله الأهم الذى هُيِّئ بأدق أدواته. أسنان بارزة بأطراف مدببة مشطوفة كما الشفرات. فم مرن به ثلمة ليُحكم الإحاطة بمركز العملية فلا تتسرب منه نأمة. ولسان دقيق قوى وسريع الحركة للتجريف واللَعق. وفى بقعة السخونة التى تعنى وجود الدم دفاقا قريبا من سطح الجلد تشق شفرات أسنان مصاص الدماء جرحا يفيض منه الدم. ولا ينقطع مسيل الدم من جرح البقرة طالما الخفاش يلعق لأن فى لعابه مادة مانعة لتجلط الدماء، لعلها المقابل الذى يقدمه للبقرة التى تعطيه الدم فتقيها شر جلطات المخ، وهو ما انتبهت إليه الأبحاث الدوائية الأحدث وتعدنا من خلاله بدواء باهر جديد، يذيب جلطات المخ بعد تسع ساعات من حدوثها! لا يزيد طول مصاص الدماء هذا على تسعة سنتيمترات. ويكفيه ملء ملعقتى شاى صغيرتين من السائل القانى ليشبع ويعيش لثلاثة أيام قادمة. لكن سليقة ملايين السنين المبثوثة فى برامجه الوراثية تخبره أن الحظ لا يكون فى كل ليلة مواتيا بفريسة ثَرَّة الدماء كهذه. يظل ينهل وينهل من الفيض الأحمر بينما الفريسة لا تَنُدُّ عنها غير ململة مبتورة أو اختلاجة خفيفة. تكاد لا تشعر بما يحدث لها. وقبل انبلاج الصبح يكون الخفاش قد امتلأ. يخفق منصرفا فى حبور ويعود طائرا إلى موئل الصمت والظلمة الذى جاء منه. أربع ملاعق صغيرة من الدم حصاد ليلة واحدة هى أكثر من كنز للخفاش. لكنها لا شىء بالنسبة لبقرة أو شاة أو حصان أو حتى إنسان فى مناطق عيش هذه الخفافيش فى أحراش أمريكا الوسطى والجنوبية. تتراجع الظلمة فيما يشقشق الفجر فتؤوب حفنات الخفافيش لتنتظم جميعا فى سربها. تدخل مخابيها قانعة بحصاد الليل أو قانطة حياله. هناك من كان حظهم عاثرا حتى أنهم لم يحصلوا على قطرة دم ترطب جفاف معداتهم الخاوية. يتهددهم الموت فى غضون يوم وليلة إذا لم يُغاثوا بحسوات دم قليلة تقيهم الدخول فى الحالة الحرجة. حرج هبوط الطاقة وتفاقم الوهن مما يُعجِزهم عن الطيران بحثا عن قوُتِهم القانى فى الليلة القادمة. ويتفاقم الحرج متجها إلى الموت إن لم تبرق فى عتمة مغاراتهم وكهوفهم معجزة مضيئة. السير «دافيد أتنبره» سيد الوثائقيات البيئية البريطانى رصد هذه المعجزة بالصوت والصورة. وعالم الأحياء جى. إس. وليكنسون المولع بدراسة الخفافيش مصاصة الدماء أكد حدوثها. بل تواترها. مئة وعشر حالات سجل فيها ويلكنسون حدوث حالات تبرع بالدم عن طريق الاجترار قامت بها خفافيش كان حظها وافرا من الدم لإغاثة خفافيش كان حظها عاثرا ولم تحظ فى ليلتها بقطرة دم واحدة. ولا يزال هناك عدم تصديق بين بعض علماء الأحياء التطورية لنزاهة هذا الإيثار. يقولون إنه «إيثار متبادل» تدرك فيه الخفافيش المانحة أنها تعطى اليوم وهى ممتلئة لتأخذ غدا إذا ما خلا وِفاضها. نوع من التعبير عما يسمونه «أنانية الجينات». نظرية افتراضية تختزل الكائنات فى مجرد آلات مذعنة لإرادة برامج وراثية تكتنزها الجينات التى لا غاية لها إلا التكاثر والتواصل عبر كل سبيل وبأية حيلة. تضمن لصيغتها أن تبقى وتستمر بين الجينات الأخرى أو على الرغم منها. لكن هؤلاء العلماء كما غيرهم لا يستطيعون إلا الانشداه أمام منظر الخفافيش المانحة وهى تُلقِم الخفافيش المتلقية وكأنها أمهات تطعم صغارها الذين ليسوا بصغار ولا حتى أقارب. بل إخوة فى النوع.. وفى الحياة.إخوة فى النوع.. وفى الحياة. هوامش على المتن : 1ــ لاشك أن فطرة التعاطف لدى الخفافيش مصاصة الدماء تنطوى على بعد عاطفى لا ندركه أو لا نستطيع إثباته علميا ومنطقيا، لكن هناك حقيقة يمكن أن تقودنا إلى اكتشاف الفائدة العملية من هذا التراحم بين أبناء النوع الواحد، وهى أن التشارُك فى موارد الحياة، يعود على المانح كما على المتلقى، وهذا فى رأيى ما أثبتته جائحة موت أكثر من 5.7 مليون خفاش من الوطاويط البنية الأمريكية فى عشرات الكهوف والمغارات والمناجم الأمريكية الشمالية بين عامى 2006 و2010، ولا يزال الوباء يتمدد حاصدا الخفافيش فى أربع ولايات كندية، وبينت التحريات العلمية أن سبب موت كل هذا العدد الهائل من الخفافيش هو فطر يسبب مرضا اسمه متلازمة الأنف البيضاء WHITE NOSE SYNDROME فتلك الخفافيش التى كانت فى مرحلة البيات الشتوى عندما داهمتها الجائحة، يهبط تمثيلها الغذائى عند البيات وتهبط بالتالى درجة حرارتها، وتكون الأنوف كجزء طرفى من الجسم هى الأكثر ابترادا، ومن ثم الأقل مقاومة لغزو جراثيم الفطر الذى ينشط فى درجة حرارة دون 20 مئوية، وما أن يتمكن منها هذا الفطر ناشرا عليها اللون الأبيض الزغبى، حتى يشرع فى التسلل إلى بقية الجسد بادئا بالأجنحة، ينمو ويتكاثر بشراهة مذيبا ومرتشفا جسد الخفاش فلا يبقى منه غير العظام والشَعر الذى يتساقط بمجرد اللمس. ومن المعروف أن الخفافيش شديدة الحساسية لانخفاض الحرارة تحتشد ملتصقة فى حياتها وبياتها للاستفادة من الطاقة الحرارية الجماعية التى يبثها جسد كل خفاش، كذلك إناث الخفافيش تميل إلى التجمع فى فترة التوالد، وهكذا فإن التراحم بمشاطرة الطعام بين الخفافيش التى تمتلك زيادة والخفافيش التى لا تمتلك شيئا، إنما يعنى الحفاظ على مصدر دفء يزيد فرص النجاة من البرد وذئابه الميكروبية. هكذا ينقذ الشعور بالأخوة فى الحياة، استمرار الحياة نفسها، للفرد كما المجموع. الشىء نفسه ينطبق على سائر مناشط الحياة لدى كل الأحياء ومنها البشر، ليس على مستوى الحياة العضوية فقط، بل الحياة السياسية والاجتماعية، وهذا ما لا يدركه المتدافعون للاستحواذ على السلطة، فإقصاء أى طيف من نسيج المجتمع، الأمة، الدولة، إنما يؤذن بموت المستحوِّذ الشره نفسه، وما الاستئثار بكل مفاصل السلطة، أو جلها، إلا نذير بفقدها كلها أو جلها. فمن يستوعب المثل الحى، ومن باستيعابه يهتدى؟ 2ــ يبدو أن الطوفان الجماهيرى غير المسبوق فى غزة عند الاحتفال بذكرى انطلاق «فتح» الثامنة والأربعين منذ أيام لم يُقرأ هاهنا جيدا، فاحتشاد قرابة مليون إنسان يمثلون ثلث سكان غزة، وبعد ست سنوات من هيمنة حماس، لم يكن تعبيرا عن مجرد احتفال بذكرى فلسطينية جامعة، بل كان فى أوضح جوانبه رسالة لحماس مفادها أنه بعد استحواذ تنظيمها على كامل السلطة فى القطاع، وحمسنة معظم مظاهر الحياة البادية على السطح فى غزة بثقل السلطة وسيف الإملاء، فإن هذا التغول كان تغذية لذاكرة لم تنس فظاظة الانقلاب بالقوة واستخدام الدين كاستثمار لتمكين الذات. مليونية غزة فى ذكرى انطلاق فتح هى ظاهرة لن تكون غير بداية، ولن توقف مسارها ألاعيب الصناديق مهما تمادت، ولا سطوة السلطة مهما استشرت، ولا تجارة الدين مهما راجت. من يعميه الفرح باختطاف كل شىء، مهدد بأحزان خسران كل شىء. 3ــ لو أن حكم الإخوان كان مشغولا بإصلاح الأمور بالاندفاع نفسه الذى يفرض به ما يخدمه من إجراءات وتشريعات إقصائية تمكنه من الانفراد بالسلطة وغرس وجوهه ومُقرَّبيه فى مفاصل الدولة، لأشاع حَميَّة كفيلة بإنجاز ولو جزء صغير من الإجادة والأمل، تنتشر وتنشر قيم عمل أفضل فتعيق سيل الكوارث التى تريق دم المصريين بالمجان وبوتيرة غير مسبوقة، وآخرها كارثة قطار البدرشين. لكنها الأثرة التى تطيح بالإيثار وتنشر البلادة، وتُفشى سلوك التحايل والتلفيق واللؤم، والكذب على الله والناس وربما النفس أيضا. فطوبى للخفافيش مصاصة الدماء التى تتشاطر مع إخوتها زاد الحياة، فتحفظ لبنى جنسها كما ذواتها الحق فى الحياة، وتستحق من ثم شرف الحياة. الحياء الحياء. ففى انعدام الحياء إهدار للحيا

ماذا قالوا عن اﻻخوان الكاتب بلال فضل. (منقولة)

شارك برايك يهمنا Feedback Feedback mhassanabo@gmail.com maboeleneen@yahoo.com في «حمقة» الغضب! نعم، عليك أن تبدأ الحكاية من أولا، لتذكير الناس بأن كل ما نحن فيه الآن ليس سوى نتيجة لإخلاف محمد مرسي لوعوده وتقسيمه للمصريين وخلطه الحابل بالنابل في ميادين الثورة، لكنك أيضا مطالب بأن تفكر إلى أين سنصل أخيرا، وأن تتذكر نصيحة الشاعر القديم «أبصر لرجلك قبل الخطو موضعها»، لكي لا تجرك غباوة أعدائك إلى غباوات أعظم تخسر بها قضيتك. للأسف، من أخطر ما يصاحب الثورات، تلك الحالة الكابو سية التي ينجر الجميع فيها إلى طرق الصراع المغرية والمحفزة للأدرينالين، ويهملون النظر إلى المخارج والمنعطفات التي توفرها لهم الحياة، سيتجلى لك ذلك وأنت تتابع المعارك التي يتجدد إشتعالها من حين لآخر حول مقرات جماعة الإخوان المسلمين الراعي الرسمي للإستبداد والقهر في مصر الآن، وهي معركة كشأن كل المعارك الثورية يخوضها كل ثائر على مسئوليته وبفكره، ولأن كل ثائر يمتلك بالضرورة فكرا مختلفا عن غيره، تكون النتيجة أن كل مشارك في المعركة يسدد في مرمى مختلف، فيخسر الجميع ستة صفر. برغم بشاعة كل ما شهدناه في اليومين الماضيين من مشاهد مرهقة للأعصاب، يظل الأخطر منها تذكرك لأن القادم أسوأ بكثير طالما ظلت حالة الكراهية تواصل التفشي والإنتشار، وهي حالة يتحمل مسئوليتها بإمتياز محمد مرسي وجماعته، لطالما حذرت أنا وكثيرون غيري مع مجزرة الإتحادية الأولى من خطورة العنف غير المشبع، الإخوان إلا غَيّا وعنادا، وواصلوا اللجوء إلى لغة القوة فأصبحنا جميعا تحت رحمة الشارع، وأظننا سنظل كذلك، طالما واصل الإخوان التصرف بوصفهم جماعة مضطهدة، وتجاهلوا حقيقة المسئولية السياسية المفروضة عليهم كحكام للبلاد، كان يمكن مثلا أن يحتووا ما حدث الجمعة الماضية أو يخففوا من غلوائه لو بادروا فورا إلى معاقبة من قاموا بضرب الناشطة ميرفت موسى واعتدوا على الصحفيين، لكنهم لجأوا كعادتهم إلى التبرير والبربرة والمحاورة والمداورة، ونسوا أن ما سيحميهم من هجوم معارضيهم على إختلاف نواياهم، ليس النوافذ المنيعة للمقرات ولا قبضايات الأقاليم ولا الأمن المركزي في درعه الجديد، بل «المشي العِدِل» وحده دون غيره، وهو ما لم يفعلوه منذ ارتكبوا إعلانهم الدستوري وما تلاه، حيث لم يتخذوا من يومها قرارا حكيما يبتعد بهم عن الطريق الذي يسيرون نحوه بإلحاح: طريق رمي نفسهم من المقطم على مصر، مهما كانت العواقب عليهم وعلى مصر. على الجانب الآخر يرى المرء مواقف تثير العجب تصدر عن أشخاص كان يظن أن لديهم عقولا واعية، فأصبحت أراهم يخاصمونها عندما يشجعون على ممارسة العنف ضد الإخوان ويواصلون إستدعاء الجيش لضربهم، لأن ذلك حسب زعمهم الطريقة الوحيدة التي يجب أن يتم التعامل بها مع تنظيم إرهابي وفاشي ونازي وما إلى ذلك من الأوصاف التي تحاول تصوير خطورة الإخوان وأثرهم الفتاك على مصر، وهو أمر يمكن أن نختلف عليه فأنا من أنصار مدرسة خطورة الإخوان على مصر وليس العكس، ولذا كنت أتمنى أن يقرأ الجميع التقارير الصحفية التي نشرت هذا الأسبوع عن تصاعد مخيف في خطورة نشاطات النازيين الجدد في ألمانيا، وإعتراف السلطات أنها ربما تكون قد قللت من خطورة تنظيماتهم المحظورة قانونيا وسياسيا، وهو كلام يذكرنا بتلك الحقيقة التي تبدو مخيفة للكسالى الذين ينسون أن الله خلق الإنسان في كُبُد، حقيقة أن القمع والعنف لن يجديا أبدا في إخفاء أي فكرة مهما كنت تراها كريهة أو خطيرة أو لعينة، وأن الطريق لمواجهة أي أفكار معتمدة على الشعارات هو دفعها للإشتباك مع الواقع لكي يفضح حجمها الحقيقي، ويصبح أمام أصحابها خياران لا ثالث لهما إما تغيير منهج تعاملهم مع الواقع أو الإنقراض سواءا في صمت أو صخب. إذا بدا هذا الكلام غير مريح لمن يتصورون أن هناك جائزة يتم تقديمها لأثور ثائر يعلو حسه فوق جميع الثائرين، فأنا أتمنى لهم حظا سعيدا في فعل كل ما يشعرهم بالإتساق مع أنفسهم، لأن كل ثائر في نهاية المطاف ينام على الجنب الثوري الذي يريحه، فقط أذكر من يحب أن يُشَغِّل عقله ويستخسر ركنته في دماغه دون فائدة، بأن ثمانية أشهر في الحكم وضعت تيارات الشعارات الإسلامية في حجمها الحقيقي بأكثر مما فعلت ستون عاما من الإستبداد، وأن النضال السياسي والقانوني والإعلامي ضد إزدواجية الأوضاع القانونية لجماعة الإخوان ثبت أنه أبرك ألف مرة وأكثر إفزاعا للإخوان من حرق مقر أو حدفه بالطوب، وظني والله أعلم أن مسيرة واحدة لعرض «إخوان كاذبون» في منطقة شعبية تعرض قيامهم بضرب ناشطة بالقلم أبرك ألف مرة من التسبب في سفك دم مصري حرام أيا كانت المبررات، على الأقل لن يساعد ذلك الإخوان على الظهور بمظهر المعتدى عليه. لذلك أتمنى أن يذكر كل منا نفسه في «حمقة الغضب» أن الثورة ليست حرب شوارع حتى وإن كانت تلجأ إلى تكتيك حرب الشوارع إضطرارا، وأنها لن تنجح في تحقيق أهدافها من غير ظهير شعبي قوي يساندها، وأنه من المهم أحيانا أن يقف كل منا ليفكر في مواضع خطواته الثورية، ويسأل نفسه هل تصب خطواته في طريق تحقيق العيش والحرية والعدالة الإجتماعية، أم أنه يتحول إلى بيدق يتم تحريكه بدون أن يدري لمصلحة صراع فوقي وسخ، لن يستفيد منه إلا أصحاب المصلحة في ترويج أفكار ديمقراطية «البط هوين» ودولة «القبضة الحديدية» وجمهورية «مايجوش غير بالسك على القفا». أما الذين يظنون أن حل جماعة الإخوان وحرق مقراتها ورمي أنصارها في السجون سيريح مصر من إبتلائها بهذه الجماعة، فأتمنى أن أذكرهم أنه كان النقراشي أشطر. ولذلك حديث آخر إذا عشنا وكان لنا نشر. المقالة الثانية تقلبات الخلق أيام الثورات إلى كل من يعتقد أن الثورة المصرية قد انحسرت أو إنتهت، إلى كل من يحلو له ترديد أن الثورة لم تغير الناس دون أن يفهم مايقوله أولاً ويعرف أنه لا توجد ثورة في العالم غيرت الناس، إلى كل من يستغرب مايراه بداخله وحوله من مشاعر سلبية متناقضة وحادة وصارخة تثير فيه القلق والخوف، أنصحهم جميعا بقراءة وتأمل كتاب (روح الثورات) لعالم الإجتماع الفرنسي جوستاف لوبون والذي ترجمه منذ عشرات السنين الأستاذ عادل زعيتر وأعادت إصداره دار الكتب والوثائق القومية، لعل من تتقلب بهم المشاعر في هذه الأيام يدركون أننا لسنا بدعا بين الثورات. في فصل يحمل عنوان (كيف تتلقى الأمم الثورة) يقول لوبون: « شأن الشعوب واحد في الثورات كلها، فهي لا تدرك مغزاها ولا تتدبر أمرها سريعا.. أما مبادئ الثورة فلا تدخل في قلب الشعب إلا بالتدريج... إن الثورة مهما كان مصدرها لا تصبح ذات نتائج إلا بعد هبوطها إلى روح الجماعة .. فالثورات الكبيرة هي ثورات الطبائع والأفكار، وفي الغالب تتم الثورات الحقيقية التي يتوقف عليها مصير الأمم بالتدريج...ولذلك نرى كلمة التطور أصح في التعبير عن المقصود من كلمة الثورة... ولذلك يتعذر على الأمة أن تختار نظمها الحاكمة قبل أن تغير روحها أولا». وفي فصل بديع يحمل عنوان (تقلبات الخلق أيام الثورات) يقول لوبون كلاما شديد الأهمية عن التحول الذي يحدث في شخصية البشر أيام الثورات، والذي يعود سببه إلى أن لكل إنسان نفسية ثابتة، لكن له أيضا شئونا خلقية متقلبة تظهر مع تغير الحوادث وهذه الأخلاق تتكون من إجتماع شخصيات وراثية كثيرة تبقى متوازنة مادامت البيئة المحيطة به لا تتقلب، لكنها متى تقلبت كثيرا وحصل فيها تغير حاد، يختل توازن الإنسان ويتألف من تكتل عناصره الموروثة شخصية جديدة ذات أفكار وعواطف ومناهج تختلف جدا عن شخصيته العادية، ولذلك يلاحظ في الثورة الفرنسية أن كثيرا من رجال الصلاح والقضاء الذين كانوا يوصفون بالحلم والعقل إنقلبوا في أيام الثورة العصيبة إلى متعصبين سفاكين للدماء، فهم أناس لم يتغير ذكاؤهم أو عقولهم، وإنما تغيرت مشاعرهم فتغيروا كليا. يقول لوبون أن هناك عناصر عاطفية يساعد إنتشارها أيام الثورات على تغيير شخصيات الأفراد والجماعات مثل الحقد والخوف والحرص والحسد والزهو والحماسة، وقد لوحظ تأثير هذه العناصر في انقلابات التاريخ كلها ولا سيما في الثورة الفرنسية الكبرى. «للخوف في أيام الثورات شأن عظيم يقترب من شأن الحقد.. لقد كان الظهور بمظهر العاقل المعتدل أخوف مايخافه الناس، فقد سابق أعضاء المجالس وموظفو الإتهام أو قضاة المحاكم خصومهم في التطرف أي في إقتراف الجرائم». ثم يتحدث لوبون عن النفسيات التي تسود المجتمع في أيام الثورة فيقول «تشتمل المجتمعات في كل زمن على عدد من النفوس المضطربة المتقلبة الساخطة المتأهبة للتمرد الراغبة في الفتنة للفتنة نفسها، ولو أن قوة سحرية حققت آمالها بلا قيد ولا شرط ماعدلت عن التمرد. وتنشأ هذه النفسية في الغالب من عدم الإمتزاج بالبيئة أو عن الغلو في التدين أو المرض. وللتمرد درجات مختلفة تبدأ من الإستياء الطفيف الذي ينحصر في كلام المرء عن الناس والأشياء وتنتهي إلى التخريب، وقد يصوب المرء صولته الثورية أحيانا نحو نفسه عند عجزه عن التصرف بها على طريقة أخرى فلقد كثر في روسية عدد المجانين الذين لم يكتفوا بالتحريق وإلقاء القنابل فتحولوا إلى أن يكونوا باخعين لأنفسهم ومهلكين لها. هؤلاء على رغم العزيمة الظاهرة التي تدل عليها أعمالهم ضعفاء عاجزين عن مقاومة أقل المحرضات، والقوانين والبيئة تردعهم في الأوقات العادية فيظلون غير مؤثرين، ولكن متى بدت أدوار الفتن فإن هذه الزواجر تضعف، فيطلقون عنان غرائزهم غير مبالين بالغاية التي نشبت الثورة من أجلها». ثم يضيف لوبون قائلا كلاما شديد الأهمية أتمنى أن نتوقف عنده طويلا «الروح الثورية تكون غير خطرة إذا صدرت عن العقل، بدلا من العاطفة أو التدين، فهي تصبح عامل تقدم وإرتقاء، فعندما يصير حكم التقاليد والعادة ثقيلا على الحضارة نتخلص منه بفضل أناس من ذوي العقول المستقلة الثورية كغاليليو ولافوازيه وداروين وباستور الذين أعانوا على تقدم العلوم والفنون والصناعة في العالم. ويجب أن يكون في كل أمة عدد من هؤلاء الأعاظم الذين لولاهم لظل الإنسان عائشا في الكهوف، وتتطلب الجرأة الثورية التي تظهر ماعند صاحبه من الإكتشافات استقلالا ذهنيا يتخلص به من الأفكار الجارية بين الناس وحصافة يدرك بها ماتحت المتشابهات السطحية من الحقائق». لكن لوبون يطمئننا أخيرا بأن مايجعل شعبا يختلف عن الآخر في نتائج الثورات، هو أن يكون لهذا الشعب روح وراثية مستقرة مع الزمن، لأن هذه الروح في النهاية تتغلب على روح التخريب، ولذلك يظهر الشعب أحيانا بمظهر المتقلب، ولكن لنعلم أن وراء تقلبه وحماسه ومظالمه وهدمه غرائز ثابتة متصلة تدعمها روح العِرق، وقد أثبت تاريخ الثورة الفرنسية وتاريخ القرن الذي بعدها كيف تتغلب الروح الثابتة على روح التخريب في نهاية الأمر، وما أكثر المرات التي جدد فيها الشعب حالا بناء ماهدمه من الأنظمة»، يبدو كلام لوبون مطمئنا من ناحية، لكن كلامه الذي سبق أن نشرته في مقال سابق حول إمكانية أن يبني الشعب نظاما أشد إستبدادية إذا مل من الفوضى هو الذي يجب أن يثير في نفوسنا القلق ويجعلنا نفكر بمسئولية في أي خطوة ثورية نخطوها أو أي شعار ثوري نرفعه (للأسف نشر هذا المقال يوم 4 أكتوبر 2011) المقالة الثالثة سيرة الأم بلال فضل كل الأبناء الذين تجاوزوا العشرين لديهم بالضرورة مشاكل مع أمهاتهم اللواتي تجاوزن الخمسين. لكن مشكلتي مع أمي كانت كعادة كل مشاكلي معها.. وكعادة أمي نفسها، فريدة من نوعها. كنت قد ذهبت لأستقبلها في المطار وهي قادمة من زيارة طويلة لأخي في الكويت، ظللت أنتظرها ساعات طويلة مذلولا بين يدي موظفات الإستعلامات العوانس وضباط المطار المكتئبين والنقص العادي للمعلومات العادية. أين يمكن أن تذهب أم كلمت إبنها من مطار الكويت قبل أن تركب فورا الطيارة المتجهة إلى مطار القاهرة؟ هل ركبت طائرة خطئا إلى دولة أخرى؟ هل هي محتجزة في مكاتب الأمن لتشابه إسمها مع إسم استشهادية ما؟. كل الإحتمالات فكرت فيها إلا أن يتصل بي الجيران ليقولوا لي أنهم ألفوها تجلس على بسطة سلم عمارتنا، ثم يضيفون ضاحكين أنها دخلت لتتوضأ في شقة جاري الباشمهندس رأفت المسيحي وكادت تصلي العصر حاضرا في شقته لولا أنها رأت صورة الأنبا كيرلس تتوسط الصالة، فقررت أن تصلي على بسطة السلم بعد أن تحججت أنها لابد أن تنزل فورا لأنها لازم تعمل مكالمة دولية، قبل أن تعود بعد الصلاة إلى شقة رأفت. لم أستطع أن أرد على لوم رأفت وباقي الجيران لأنني تركت أمي «كده»، فلم أكن قد عرفت بعد أن سر توهتنا عن بعض في المطار أنها قررت أن ترتدي النقاب مؤخرا، لو قلت لهم ذلك لما صدقوني فقد رأوها سافرة الوجه «بس المرة دي الحاجة رادّة ماشاء الله»، عندما قالت لي ذلك وقد لمَّنا بيتي بحيطانه فوجئت بنفسي أسألها لماذا لم تبق عليه لأبقي على ماء وجهي أمام الجيران، «قلعته في التاكس أصل بصراحة الهوا كان حلو قوي وأنا كنت مخنوقة منك عشان ماجيتش تستقبلني قلت أخلي الهوا يطس في وشي بدل ماأعيط وأفضح نفسي». هممت أن أسألها لماذا تنقبت أصلا، لكنني تذكرت القلم الذي سكعته لي من كام شهر عندما قلت لها أنها لابد أن تخلع الخمار أساسا لأنها صارت من القواعد من النساء اللاتي لايرجون نكاحا. «قواعد في عينك.. ده أنا أصغرمن نادية الجندي بييجي عشرين سنة». سأفهم لماذا تتنقب أمي الآن عندما أفهم مثلا لماذا أقسمت بأغلظ الإيمان ألا تحضر فرحي،وقد كان فلم تحضره. «مش عايزه أنحسك ياابني.. قلبي اتفتح للبنت دي بطريقة لاتتخيلها.. بادعي لها وربنا في كل سجدة.. مش عايزه قدمي السعد يوقف حالها».. أبكي بين يديها «ياامه عيب الكلام ده.. ده إنتي الخير والبركة».. «الكلام ده نقوله قدام الغريب ياوله».. « طب والله العظيم تلاته ماأنا...».. « يمين بالله لاإنت إبني ولا أعرفك لو كملت.. وخد عندك بقى.. يارب أطب ساكتة لو غصبت عليا أحضر الفرح». بعدها وكلما شهدت لحظة هناء بيني وبين زوجتي تنظر إلي نظرة ذات مغزى ثم في أقرب لحظة نختلي فيها سويا تقول لي بسعادة غامرة «عشان تعرف إن أمك قلبها عليك.. مش لو كنت جيت الفرح كان زمانكو في محكمة الأسرة». الذين استغربوا من الجيران أنني لم أحتضنها عند رؤيتها لن يفهموا أنني كلما لمستني أمي أندفع باكيا كأني طفل حط صباعه في الكهرباء، ولذلك أنا وهي ومنذ أن كبرنا نسلم على بعضنا من بعيد لبعيد، ومع ذلك أبكي بعد لحظات من المقاومة وبكائي يجر بكاءها وبكاؤها يجر حزنا ليس له من دون الله كاشفة، أقول لها ونحن مابين بكائين «ياحاجة مش عارف أودي جمايلك فين على الميراث العظيم اللي سبتهولي»، تنظر إلي مرتابة ومترقبة موطن التريقة في كلامي، ثم تقول « طبعا مش كفاية القرآن اللي حفظتهولك بس إنت فلاتي ضيعته وضيعت روحك في كلام الكتب الفارغ»، أقول لها « أنا جرثومة الحزن اللي ورثتيها لي مش عارف أشكرك إزاي عليها». تنظر إليّ متفرسة كأنني خرجت حالا من رحمها ثم تضحك من قلبها ضحكا حقيقيا تختمه بنظرة إعجاب كأنني فرحت قلبها، قبل أن تقول وصفها الاثير لي «إنت.. إنت مصيبة»، ثم تبكي من باب الإحتياط. في الصالة أمعنت النظر في وجهها الذي كان صامدا حتى وقت قريب ومااستطعت أن أمسك نفسي من أن أقول»ملعون أبو الدنيا»، وهي لم تأخذ بالها من مغزى لعنتي وقالت غاضبة « في حديث صحيح عن سيدك النبي بيقول لاتسبوا الدهر»، أشاغبها قائلا «عليه الصلاة والسلام بس أنا بالعن الدنيا والدنيا غير الدهر»، تشتد غضبا «في حديث صحيح بينهى عن الجدال»، فأقول لها «مافيش حديث صحيح بينهي عن الوقوف على الواحدة»، فتترك لي الصالة وهي تقول «ملعون ابو شكلك». (قصة من مجموعتي (الشيخ العيِّل) الصادرة قبل أسابيع عن دار الشروق.. كل سنة وأمهاتنا جميعا طيبات وبألف صحة وسلامة) المقالة الرابعة الندل لما حكم بلال فضل الثلاثاء 19 مارس 2013 - 11:37 ص يغضب أنصار جماعة الإخوان عندما يردد معارضوهم ذلك الهتاف الشهير «قالوا حرية وقالوا عدالة.. شفنا وطاية وشفنا ندالة»، وبدلا من أن يبحث «الإخ..وان» عن الأسباب التي تجعل الناس يرددون ذلك الهتاف وغيره من الهتافات المعادية لهم، يفضلون الإستسهال بإتهام معارضيهم بكراهية المشروع الإسلامي والحقد والعمالة والقبض من جهات خارجية، وهو نفس المنهج الذي كان يتبعه سلفهم (الحزب الوطني) الذي أطلق عليه المصريون ألقابا مثل «الحزب الواطي» و«الحزب الوثني»، فتعامل قادته مع ذلك بإستخفاف وظنوا أنهم محميون من غضب الشعب بنفوذهم وقوتهم وأموالهم ودولتهم البوليسية، حتى أفاقوا على صدمة النار وهي تحرق مقراتهم، ليدركوا بعد فوات الأوان أن الغضب الذي يبدأ بالهتافات لا يعلم إلا الله كيف سينتهي. هتاف الناس ليس متجاوزا، ولا مبالغا فيه، بل هو هتاف نابع من حرقة قلوب الناس ووجعهم وصدمتهم في هذه الجماعة التي عانت الكثير من الظلم على أيدي الدولة البوليسية في عهد مبارك ومن قبله، وبدلا من أن تعمل على تحقيق العدالة عندما امتلكت مقاليد الأمور، استخدمت نفس الآلة القمعية البوليسية لظلم معارضيها، ولعل قصة الثائر السكندري حسن مصطفى تصلح تجسيدا لتلك الندالة الإخوانية في أحط صورها، فقد قررت الدولة الإخوانية أن حسن مصطفى أخطر بكثير على أمن الوطن من الضباط قتلة الثوار الذين حصلوا جميعا على البراءة، ومن رموز نظام مبارك الذين لم يحاكموا بتهمة الفساد السياسي فخرجوا من قضاياهم المالية كالشعرة من العجين، فعاقبته بالسجن عامين مع الشغل لأنه ارتكب جريمة شنعاء هي الإعتراض على وكيل نيابة في محكمة المنشية بعد أن غلا الدم في عروقه لما رآه من ظلم يقع على الذين اعتقلتهم شرطة الإخوان من أهالي الشهداء وكان من بينهم أطفال قصر ومريض بالسرطان، ليقوم وكيل النيابة بإتهامه بأنه اعتدى عليه بالسب والصياح والضرب مما سبب له «إحمرارا في الوجه» كما ورد في نص أوراق القضية، وهو ما يجعلك تتمنى لو كان أهالي الشهداء قد غيروا إتهامهم لقتلة أبنائهم من القتل العمد إلى التسبب في إحمرار في الوجه، إذ لربما عوقبوا بالسجن سنتين مع الشغل، بدلا من حصولهم على البراءة. من محبسه في سجن برج العرب الإحتياطي أرسل حسن مصطفى فور صدور الحكم عليه رسالة إلى الشعب المصري يقول فيها « لا تأسفن على غدر الزمان لطالما.. رقصت على جثث الأسود كلاب.. لاتحسبن برقصها تعلو على أسيادها.. تبقى الأسود أسوداً والكلاب كلاب.. تبقى الأسود مخيفةً في أسـرها.. حتى وإن نبحتْ عليها كـــلابُ.أصدرت بحقي المحكمة الابتدائية اليوم حكما بالسجن لمدة عامين مع الشغل في قضية أقل ما توصف به أنها مهزلة قانونية، و ذلك من خلال مجموعة من القضاة ووكلاء النائب العام المنتمين لحركة قضاة من أجل مصر التابعة لجماعة الاخوان المسلمين و تحت سمع و بصر كل من وزير العدل أحمد مكي و النائب العام طلعت عبدالله و بالطبع بايعاز من جماعة الاخوان المسلمين، وهذا من أجل الانتقام مني و التنكيل بي بسبب مناهضتي لسلطة حكم جماعة الاخوان المسلمين، فأقول أولا لوزير العدل أحمد مكي و للنائب العام طلعت عبدالله أنتم عار على العدالة و عار على السلطة القضائية، وأقول ثانياً لجماعة الاخوان المسلمين أننا وبحمدالله و فضله كأوتاد الأرض من الجبال لا يهتز لنا طرف و لا تنحني لنا جبهة إلا أمام من خلقنا فلن ترهبنا سجونكم و لن ترهبنا ميليشياتكم و لن يرهبنا الموت، و أنتم لا طاقة لكم بجبروت الثورة و لا حمل لكم مع عناد صبرها و نحن باذن الله وقود هذه الثورة و سندان هذا الشعب الي أن يتحقق النصر، و هذه السنتان التي حُكم علي بهما، إن تم التأمين عليهم من قبل محكمة الاستئناف، فأنا و بحمدالله و عزته سأقفهما على قدم واحدة، ولن يهتز لي جفن و كلي ايمان بالنصر و كلي ثقة بهذا الشعب العظيم و هذا الجيل الباسل، و أقول لكم أن هذا الشعب البطل و هذا الوطن الأبي قد أتي عليه الغزاة من الهكسوس إلى الانجليز وأتى عليه المستبدون من الحكام من الحاكم بأمره إلى حسني مبارك، ذهب الغزاة و ذهب المستبدون و بقي الشعب و بقي الوطن، و هذا مآلكم في النهاية إلى مزبلة التاريخ مصحوبون بلعنات الشعب طال حكمكم أو قصر، ويبقى الشعب و يبقى الوطن، المجد للشعب المصري البطل.. المجد للشهداء .. المجد للثورة.» بعد أن دعت الكاتبة الكبيرة أهداف سويف إلى إرسال تلغرافات إلى حسن مصطفى في محبسه (برج سجن العرب الإحتياطي ـ الدواعي الأمنية مجموعة ه عنبر 23 شديد الحراسة زنزانة 9) تجاوب كثير من الشباب مع دعوتها، ونشروا تلغرافاتهم التي أرسلوها إلى حسن، كان من بين هؤلاء رزان محمود التي كتبت على صفحتها في الفيس بوك تقول»أنا بعتّ تلغراف لحسن مصطفى أقول له فيه «خلينا نستفسر عن أول الفراشات، عن أروق الينابيع.. خلينا لما نضيع ما ننتهيش فجأة» وسط تتنيح عامل البرقيات، واتصاله بيا بعد كده بيطلب العنوان بتاعي لأني «باعتة كلام غريب مش مفهوم»، أنا مش بقول كده عشان أبيّن أد ايه أنا رائعة وعظيمة، لأ أنا باثبت لكم بالدليل إننا ممكن نبقى مجانين حتى في أشد المصالح الحكومية ظلامًا وانتهاكًا لحقوق الإنسان.. ابعتوا لحسن مصطفى شعر وأغاني، اكتبوا له على هذه الأرض ما يستحق الحياة و»ما اسم هذا الشيئ في شعرية اللاشيء؟» من كلام محمود درويش عن زهر اللوز، خلّوه يفتكر إن لسه في الحياة كتير وإن الدنيا ما انتهتش.. ياللا والنبي، بلاش تنسوه»، أدعوكم للتجاوب مع جنون رزان ومكاتبة حسن مصطفى حتى يفك الله سجنه قريبا، عن نفسي سأرسل إليه تلغرافا يتضمن كلمات عمنا أحمد فؤاد نجم «الأولة آه.. والتانية آه.. والتالته آه.. الأولة آه.. والغدر لمّن حكم.. صبح الأمان بقشيش.. والتانية آه.. والندل لمّا حكم.. يقدر ولا يعفيش.. والتالتة آه.. والحر مهما انحكم للندل ما يوطّيش» المقالة الخامسة واعظ لا يعظ أحدا! تكون في عز شبابك فتلعب برأسك الأحلام، تفتح صدرك للدنيا وأنت تشتهي منها الكثير، يقهرك ضياع بعض الأماني وتضيق نفسك بتأجيل بعضها الآخر، ثم تنجب فتعرف طعما جديدا للحياة، ولا تفهم شيئا في البداية، ثم بعد سنين تقل أو تكثر تفهم «اللي فيها»، وتصبح مستعدّا لأن تقايض كل أحلامك وأمانيك مقابل أمنية وحيدة، أن يأتي يومك قبل يوم أبنائك، ترجو ذلك من الله في سجودك وخلوتك ولحظات صفائك، أنت تعلم أن الموت مصير كل حي، لكنك أيضا تعلم أن موتك وأنت ترى أبناءك ينعمون بالحياة والصحة أحبُّ إليك بكثير، فكم هي غريبة هذه الحياة يا صديقي، وكم هي جميلة أيضا، وكم هو مُعقّد هذا الإنسان الذي أودع الله فيه سره الإلهي، وجعله مستعدّا لكي يموت فداء لأبنائه، ومستعدّا لكي يقتل أبناء الآخرين من أجل أبنائه. كفى بالموت واعظا، ولو أكملت الجملة التي تسمعها في كل جنازة وكل عزاء وكل رحيل وربما في كل خطبة جمعة لا تفوتك، لعرفت أن من لم يعظه الموت فلا واعظ له، ومع ذلك أو لذلك نحن لا يعظنا الموت، ربما لأن الحياة نفسها بكل جمالها وسحرها وفتنتها لم تعظنا، فكيف يعظنا الموت بوحشته وفزعته ووطأته الثقيلة، قد ترى ذلك منطقا معكوسا، لكنني أراه المنطق السليم. الأولى بنا أن نتعظ من ضحكات الأطفال لا من غيابهم، أن يغيرنا جمال الحياة وليس انتهاؤها. يكفي نظرك إلى وجه المحبوب أن تعيش عبدا طائعا لله مبتهلا إليه أن يطيل فرحتك بمن تحب. بلاش، قدرتك على أن تشم هواء البحر وأنت تطالع لحظة الغروب كفيلة بأن تجعلك خادما لعباد الله جميعا، لكنه الإنسان يا صديقي، قادر على أن ينسى كل هذا أمام أول شعور قوة ينتابه، قادر على أن ينسى حتى ذلك الشعور المرير بالضآلة الذي يتملكه بعد أن تناله مصيبة الموت، الشعور بأنه لا يملك من أمره شيئا، ذلك الشعور الذي لا يلبث أن يتلاشى دون أن يدري أحد كيف ولا لماذا، ليعود الإنسان إلى ظنه القديم أنه يملك كل شيء، وأن الذي يموت فقط هم الآخرون وأبناؤهم وأحبابهم. لا أريد أن أعظك، فالشيطان لا يعظ، لكن دعني أسألك هل تذكر الآن عدد الجنازات التي كان يمكن لها أن تغيرك إلى الأبد، لكنك لم تتغير قطّ بمحض إرادتك، هل تحب الحياة مثلي؟ لماذا إذن لا تتذكر أنها حق لكل من حولك؟ هل ساهمت في جعل حياة الآخرين أفضل؟ هل تبحث عن السعادة الدائمة؟ هل حاولت أن تحصل عليها بإسعاد الآخرين أو جعلهم أقل تعاسة؟ من الذي ضحك عليك وقال لك إنك لو أعرضت ونأيت بجانبك ستجد مهربا آمنا من أسئلة كهذه؟ هل تصدقني لو قلت لك إنني وجدت الحل السحري للهروب من مخافة الموت، وجدته كغيري في الحياة ذاتها، أحاول فقط ألا أظلم الآخرين دائما. أحاول ألا أتعس من حولي. أحاول أن أؤخر وصول المرض إليَّ وإلى من أُحب. أحاول أن أفهم. أن أستمر في التعلم من أخطائي. وأن أحب أخطائي قبل حاجاتي الكويسة. أحاول أن أتصفح كل كتاب اشتريته لكي لا أموت وفي نفسي شيء منه. أحاول القبض على المتعة وأستمتع بفشلي الدائم في ذلك، وعندما يملؤني أحيانا الفخر أنتشي برؤيته يتبدد فور أن أتذكر أنني ولا حاجة. أحاول أن أطلق بين الحين والآخر سجينا من أسر محاكم تفتيشي التي آمل أن أغلقها قريبا، وأحلم بأن يأتي فورا ذلك اليوم الذي لا أفعل فيه شيئا أشعر أنه سيضيع من عمري ولو دقيقة. أحرر كل يوم شبرا من وجداني عندما أتخلص من شيء أنا مضطر لفعله دون أن أحبه. وأشعر بالسعادة لأنني اكتشفت مبكرا أو ربما متأخرا، من يدري، الترتيب السليم للأولويات في أدعيتي لله عز وجل. لم يعد فيها فصال، الأولوية التي يجب أن تدعو الله بها دائما وأبدا هي أن يجعل يومك قبل يوم من تحب، ثم بعد ذلك هناك متسع في رحمة الله وكرمه لكل التفاصيل، حتى تلك التي تظنها غير لائقة للحضور في لحظة دعائك. فليأت الموت إذا أراد، المهم أن يأتيني أنا أولا. والنبي يا رب أنا أولا. (كتبت هذه المقالة لتنشر في اليوم التالي لإعلان خبر الرحيل الفاجع للطفل محمد علاء رحمه الله حفيد الرئيس المخلوع حسني مبارك، لكن إدارة تحرير صحيفة المصري اليوم منعت نشرها لأنها يمكن أن تُفهم سياسيا بشكل خاطئ مع أني لم أكن أقصد من المقالة سوى تأمل علاقتنا كبشر بالموت، تسبب ذلك المنع في أزمة أدت إلى اعتذاري عن مواصلة الكتابة وعدت للكتابة بعد ضغوط من القراء، ليتم نشر المقالة بعدها بأسابيع، وقد رويت ذلك في كتابي (أليس الصبح بقريب)، المهم أن المقالة بمعزل عن قصتها لا تزال كما ترى صالحة للنشر الآن، وأظنها ستظل صالحة للنشر حتى بعد أن أموت، ليس لأنها عبقرية أو عابرة للزمان، بل لأنها مبنية على ذلك الإفتراض الشائع بيننا والذي يتضح لي الآن كم هو شديد البلاهة، أعني الإفتراض بأن هناك بشرا في بلادنا سواءا كان على كرسي الحكم أو خارجه سيتعظ يوما ما من الموت، ذلك ال belalfadl@hotmail.com

ماذا قالوا عن اﻻخوان محمد حبيب. منقولة

شارك برايك يهمنا Feedback Feedback mhassanabo@gmail.com maboeleneen@yahoo.com أفمن هذا الحديث تعجبون؟ كتب: محمد حبيب السبت, 23/03/2013 21:37 مازالت صورة مدرس الدين تراوح مكانها فى ذاكرتى، منذ بداية خمسينيات القرن الماضى حتى اليوم.. كنت آنذاك فى الصف الثانى الإعدادى بمدرسة الدكتور على مشرفة الإعدادية بدمياط.. كان مدرسنا- رحمه الله- قصير القامة، يلبس حُلّة «آخر بهدلة».. القميص كان «مشجر»، ياقته تدلت منها رابطة عنق قصيرة وعريضة، لا علاقة لها بالحُلة.. بنطاله تم شده الى أعلى بحمالتين فارتفع إلى صدره.. وبخلاف قامته ورابطة عنقه، كان طربوشه طويلا.. كان مجرد دخول الرجل إلى الفصل يثير الهمهمات والغمزات بيننا.. فإذا تكلم أثار ضحكنا.. صحيح كان الضحك بصوت مكتوم، لكنه كان ملحوظا.. فى أحد الأيام كان يتلو علينا بعض الآيات كى نرددها وراءه، فانفجرنا فى الضحك.. غضب الرجل منا غضبا شديدا، وعنّفنا بقوله تعالى الوارد فى أواخر سورة النجم: «أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون»؟!.. لقد التبس الأمر على مدرسنا.. تصور أننا نضحك على آيات القرآن.. وحاشانا. يذكرنى بعض الدعاة، أو المنتسبين إلى الدعوة اليوم، بمدرس الدين فى سالف الأيام.. يتصورون أن الشباب، سواء كانوا ليبراليين أو قوميين أو يساريين أو حتى عوام المسلمين الذين ليس لهم انتماء سياسى، يسخرون من الإسلام.. والحقيقة أنهم يسخرون من الدعاة أنفسهم.. فهؤلاء فشلوا فى عرض قيم الإسلام وآدابه عليهم بالشكل الذى يحببهم فيه ويقربهم إليه، علاوة على أنهم لم يقدموا النموذج والقدوة الصحيحة.. أعرف بعضاً من هؤلاء الشباب.. لمست فيهم جهلاً بالإسلام، لا كراهية له.. أستعيد فى ذلك من عمق الذاكرة كتيبا صغيرا فى حجمه، كبيرا فى قيمته، كتيب «الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه» للشهيد العظيم عبدالقادر عودة.. الشباب الغاضب محتاجون فقط لمن يدلهم على الطريق برفق وأناة.. لمن يخاطب قلوبهم وعقولهم.. لمن يحترم آدميتهم وإنسانيتهم.. لمن يبين لهم أصول هذا الدين وقواعده ومنهاجه.. لمن يقدم لهم تصورا متكاملا ومتماسكا عن الكون والحياة.. لمن يوقظ معانى الإيمان فى قلوبهم بخالق الوجود، المتصف بصفات الجمال والجلال والكمال.. لمن يعرفهم بالحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وسيرته العطرة، وصحابته المصطفين الأخيار.. ثم هم محتاجون لمن يثقون فيه، وفى صدقه وإخلاصه ومروءته وشهامته ورجولته، وفى عقله وحكمته ورشده وسعة أفقه..لمن يفتح لهم باب الأمل والرجاء. إن هناك فارقا كبيرا بين الدعاة والمنتسبين للدعوة وبين قيم الإسلام.. بعضهم يتصورون أنهم يمثلون الإسلام ذاته، وبالتالى فالاختلاف معهم هو اختلاف مع الإسلام، وهذا يمثل مشكلة كبرى.. يتصرفون وكأنهم جماعة المسلمين، وليسوا جماعة من المسلمين، وهذه مشكلة ثانية.. بعضهم الآخر يناقشون مخالفيهم بغير علم ولا فهم ولا فقه، فضلا عن الافتقاد إلى التقوى والورع، وهذه مشكلة ثالثة. أثناء فترات التضييق والملاحقة والمطاردة من قبل الأنظمة القمعية، كان المنتسبون للدعوة غاية فى الرقة والعذوبة والحلم والأناة.. يمدون أيديهم للجميع.. ينشدون من القوى السياسية والوطنية الدفاع عنهم والوقوف إلى جانبهم.. يؤكدون مبدأ المشاركة لا المغالبة.. وأنهم لا يطمعون فى حكم.. جُلّ أمانيهم أن تتاح لهم حرية الدعوة إلى الله.. لكن بعد أن منّ الله عليهم بالوصول إليه، نسوا كل ذلك.. ألقوه وراء ظهورهم.. فلا رقة ولا عذوبة ولا حلم ولا أناة، بل خشونة ورعونة وعنف ودم وغرور وكبر وغطرسة، إلا من عصم ربى.. المشاركة كانت لغواً.. خيالاً.. مرحلة وانتهت.. تجاوزها الزمن.. نحن الآن فى زمن المغالبة.. أليست هذه ديمقراطية الصندوق؟! إذن، موتوا بغيظكم!! آه من السلطة.. كاشفة وفاضحة.. ومزرية أيضا.. تزرى بأصحابها ولا تبقى لهم على حال.. على أعتابها يخلع النُّساك والعُباد أردية الفضيلة، يتنكرون أو ينسون أخلاقهم وقيمهم ومبادئهم.. آه من السلطة.. غاشمة، ضيقة الأفق، لا ترى إلا نفسها، ليس لها صاحب أو صديق.. حتى عشاقها الذين يقعون فى هواها لا تلقى لهم بالاً، بل سرعان ما تتخلص منهم واحداً بعد الآخر، بعد استخدامهم والانتهاء من أدوارهم.. لكن لا أحد يتعظ أو يعتبر.. لذا لا يستطيع أن يتحمل تبعاتها ولا ينجو من أسرها وبريقها وجاذبيتها.. وغدرها وخداعها.. إلا من رحم ربى. أصحابنا الذين دخلوا السياسة ارتكبوا الأخطاء نفسها.. ساروا على الدرب نفسه الذى سارت عليه الأحزاب الأخرى التى توصف بالعلمانية.. والحقيقة أننا فى أمس الحاجة إلى شىء من المصداقية والشفافية.. والأخلا

السبت، 23 مارس 2013

ماذا قالوا عن اﻻخوان الكاتب والمفكر الإسلامي الكبير فهمى هويدى

شارك برايك يهمنا Feedback Feedback mhassanabo@gmail.com maboeleneen@yahoo.com مقالة المفكر الإسلامي الكبير فهمي هويدي فى بلادنا سحل أخشى أن تكون أجواء اللدد فى الخصام فى مصر الذى اقترن بحالة الانفلات فى الأعصاب وفى الأمن قد أخرجت منا أسوأ ما فينا، على العكس تماما من أجواء الثورة العارمة على الاستبداد والفساد التى أخرجت من الشعب أفضل ما فيه. إذ فى حين لا تعرف الذاكرة البصرية المصرية مسألة «السحل» الذى كنا نسمع عنها ونستغرب حدوثها فى بلد كالعراق مثلا، فإن الصورة وجدت مكانها أخيرا فى وسائل الإعلام المصرية، حتى رأينا سحل فتاة فى ميدان التحرير وآخر فى محيط قصر الاتحادية، كما طالعنا أكثر من صورة نشرتها الصحف للصوص وبلطجية لجأ الناس إلى قتلهم وتعليق جثتثهم فى بعض الأماكن العامة. وقرأنا فى بعض الصحف أن الجماهير أحاطت بالمشهد وظل بعضهم يكبرون ويهللون مرحبين بتأديبهم معتبرين أن القتلى لقوا الجزاء الذى يستحقونه. ليس ذلك فحسب وإنما وجدنا أن قنابل المولوتوف والأسلحة الأوتوماتيكية فضلا عن الأسلحة البيضاء قد أصب حت من أدوات التظاهر المعتادة، ليس فقط فى مناسبات الاشتباك مع الشرطة، وإنما أيضا فى المعارك الأخرى التى تحدث بين الناس العاديين، وحين يحدث ذلك فقد بات مألوفا أن يؤدى إلى ترويع الآمنين، وإحراق السيارات والدراجات البخارية، وقطع الطرق وتهديم البيوت والمحال التجارية التى لا تحطم واجهاتها فحسب، ولكن محتوياتها تنهب أيضا. فى هذا السياق صرنا نقرأ فى صحف الصباح عناوين من قبيل: أهالى الغربية يقتلون 4 بلطجية بعد سحلهم ــ قرية بالمنوفية قتلت بلطجيا وسهرت خوفا من الانتقام ــ الأهالى يسحلون لصين حاولا سرقة «تاكسى» بمحور 26 يوليو ــ حرب شوارع بين عائلتين فى الدقهلية ــ صلبوا شابين فى قرية كفر غنام ــ معركة 4 ساعات فى شبرا أسفرت عن قتل 3 وإصابة 15 وتحطيم 70 سيارة ــ قصاص شعبى فى سمنود ــ الغربية ترفع شعار «إعدام اللصوص فورا» ــ قتل بلطجية الدلتا استنادا إلى حد الحرابة (الذى لا دخل له بالموضوع)! هذا الذى يحدث لأسباب جنائية لا يختلف إلا فى الدرجة عما يحدث فى مجال السياسة ، ذلك ان المظاهرات التى بدأت بمسيرات سلمية انتهى أغلبها بممارسات للعنف ظهرت فيها قنابل المولوتوف والخرطوش والسيوف وغيرها من الأسلحة البيضاء، الأمر الذى أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بين المعارضين والمؤيدين وبين رجال الشرطة أيضا. ووجدنا أن بعض المظاهرات استهدف تعطيل شبكة المترو وحصار البورصة والبنك المركزى وإغلاق مجمع التحرير وإغلاق ميدان التحرير وقطع بعض الجسور التى تربط بين أطراف القاهرة، ووجدنا المتظاهرين خليطا من الغاضبين للثورة والمتاجرين بها والساخطين على الدولة لأسباب معيشية لا علاقة لها بالسياسة، إضافة إلى البلطجية المحترفين والعاطلين عن العمل وأطفال الشوارع. من المفارقات ان البلطجة الجنائية تلقى استغرابا واستنكارا، فى حين ان البلطجة السياسية تلقى ترحيبا من بعض القوى السياسية بقدر ما تلقى ترحيبا من جانب العديد من وسائل الإعلام التى لم تر فيها سوى كونها تكثيفا للهجوم على الإخوان وتهديدا لوجودهم فى السلطة. وهو منظور يغيب اعتبارات أخرى تتمثل فى إهدار هيبة السلطة وسمعة الوطن والفوضى التى تؤثر على منظومة القيم السائدة من حيث انها تطرح العنف سبيلا إلى تحصيل الحقوق وتصفية الخلافات، بل وإثبات المواقف. لماذا أصبح العنف خيارا مطروحا من جانب المجتمع فى مصر؟ هناك عدة إجابات على السؤال منها ما يلى: غياب الثقافة الديمقراطية ــ تراجع قيمة القانون وقيمة التسامح فى المجتمع ــ عجز القوى السياسية عن استخدام لغة الحوار وانحياز بعضها إلى موقف الاقصاء الذى هو اغتيال من نوع آخر، سياسى ومعنوى ــ انسحاب الشرطة وغياب دورها الأمنى ــ ارتفاع منسوب الجرأة فى المجتمع بعد الثورة حتى أصبحت بلا حدود أو سقف ــ عدم وجود رادع حقيقى للبلطجية على اختلاف فئاتهم ــ الغطاء السياسى الذى قدمته بعض القوى لممارسات العنف والتشجيع عليه. هناك سبب آخر للعنف المجتمعى نبهنى إليه بعض الخبراء يتمثل فى الدور المحيِّر الذى تقوم به بعض عناصر النيابة (للعلم فإن 30٪ من أعضاء النيابة العامة ضباط شرطة سابقون) ــ ذلك ان الأهالى الذين يبلغون عن ممارسات واعتداءات البلطجية يفاجأون بإطلاق سراح المبلغ عنهم، ليتعرضوا بعد ذلك لانتقامهم، ولذلك فإنهم يتولون مهمة عقابهم بأنفسهم على النحو الذى شهدناه. ولا تفسير لذلك السلوك من جانب النيابة سوى ان بعضهم له فى ذلك دوافعهم السياسية، ولذلك فإنهم يعتبرون إطلاق سراح البلطجية وممارساتهم من وسائل المشاغبة على النظام ومن ثم خلخلته وإضعافه. ان مظاهر العنف الزاحف لها جذور أبعد مما نظن، وحلولها أكبر من مجرد هيكلة الداخلية، ولدى شك كبير فى أن علاقتها بالسياسة أوثق من علاقتها بالأم مقالات الكاتب الكبير فهمى هويدى 23 مارس، 2013 انقسام هنا وانسجام هناك صحيفة الشرق القطريه السبت 11جمادى الأول 1434 - 23 مارس 2013 انقسام هنا وانسجام هناك – فهمي هويدي http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2013/03/blog-post_23.html دخلت تركيا في مصالحة تاريخية كبرى، في حين تكاد مصر تغرق في بحر الانقسام والخصام. ومن مفارقات الأقدار وسخرياتها أنه في الوقت الذي كانت ترتيبات المصالحة تجري بين أنقرة وبين القيادة الكردية، فإن النخبة المصرية كانت تواصل تجاذبها وعراكها، مستخدمة في ذلك مختلف أسلحة القصف والاغتيال، المقبول منها والمحظور، حتى قرأنا لأحد هواة السياسة الجدد قوله إن مصر لن تسعنا معا (المعارضة والإخوان)، الأمر الذي وضعنا أمام مفارقة فاجعة في المقارنة. إذ رأيناهم يوم الخميس الماضي (21/3) يطلقون صيحات الفرح في 50 ميدانا تركيا احتفاء بالمصالحة، وفي ذات اليوم هللت بعض صحفنا لأن «مصر طالعة» إلى المقطم بعد 24 ساعة (صباح الجمعة) مستهدفة مقر جماعة الإخوان، للانخراط في جولة جديدة من العراك المجنون والعبثي أرجو أن تعتبر ما سبق «فشة خُلق» كما يقول إخواننا في الشام، لأنني كنت قد عزمت على الحديث عن أهمية وعبرة المصالحة التاريخية التي حدثت في تركيا يوم أمس الأول (الخميس)، لكنني وجدت أن بعض الصحف المصرية الصادرة في صباح اليوم ذاته كرست صفحاتها وأخبارها وتعليقات كتابها للتعبئة والتحريض على الانخراط فيما سمي «طلعة الجمعة» فدفعتني المفارقة إلى المقارنة التي لم يكن منها بد. الحدث التركي الكبير الذي أعنيه تمثل في نداء وجهه عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني دعا فيه إلى طي صفحة الاقتتال ضد الحكومة التركية والاتفاق على مصالحة بين الطرفين تحفظ للأكراد حقوقهم القومية التي ناضلوا من أجلها خلال الثلاثين عاما الأخيرة. وهي المواجهة البائسة التي أدت إلى قتل أكثر من 50 ألفا من الجنود الأتراك و40 ألفا من مقاتلي الحزب الكردي، هذا غير عشرات الآلاف من المشوهين والمعاقين وأمثالهم من المعتقلين وغيرهم من المشردين، الأمر الذي كلف الخزينة التركية نحو 300 مليار دولار خلال تلك الفترة. أما جوهر المشكلة فيكمن في أن القوميين الأتراك الذين أسسوا الجمهورية في عشرينيات القرن الماضي رفضوا الاعتراف بالهوية الكردية، وظلوا يطلقون عليهم اسم «أتراك الجبل»، وترتب على ذلك سحق هويتهم وقمع ملايينهم (عددهم الآن يتجاوز 15 مليون نسمة يسكنون جنوب شرقي تركيا)، حيث منعوا من استخدام لغتهم وأغانيهم وأسمائهم وثيابهم التقليدية. وبعدما صبروا طويلا وعانوا كثيرا رفعوا السلاح في ثمانينيات القرن الماضي، مطالبين بحقوقهم التي أهدرت وهويتهم التي محيت. وطوال تلك الفترة ظل الناشطون والمقاومون الأكراد يصنفون باعتبارهم «إرهابيين»، في حين ظل الخطاب السياسي التركي يرفض الاعتراف بأن في البلاد مشكلة كردية. اختلف الأمر منذ عام 2002 حين تولى حزب العدالة والتنمية السلطة، الذي قاد الدعوة إلى تحويل تركيا إلى دولة ديمقراطية يحكمها الشعب وليس العسكر. ولذلك وضعت ضمن أولوياتها فك العقدة المستعصية. وتمثلت البداية في الاعتراف بوجود «المسألة الكردية»، ثم اتجهت إلى تنمية المحافظات الكردية التي تتركز في منطقة الأناضول. وظلت تسعى بصورة تدريجية إلى الاعتراف للأكراد بحقوقهم القومية، إلا أن حزب العمال الكردستاني ظل شاهرا سلاحه وبدا في بعض الأوقات أنه جاهز لمناوشة الجيش التركي، وهو ما ظهر بوضوح بعد توتر العلاقات مع سوريا، التي استخدمت الورقة الكردية للضغط على دمشق وإزعاجها. خلال السنتين الأخيرتين نشطت المخابرات التركية في الاتصال مع الزعيم الكردستاني الذي ألقي القبض عليه في عام 1989 وأودع جزيرة «ايمرالي» المنعزلة، بعد أن نجا من الإعدام. وبعد سلسلة من المفاوضات معه ومن المشاورات أجراها مع أعوانه، تم الاتفاق على الإعلان الذي جرى بثه يوم الخميس الماضي في عيد النوروز الكردي، ليمهد لطي صفحة العنف المتبادل، ووضع أسس المصالحة التاريخية. وبناء عليه يوقف إطلاق النار وينسحب المقاتلون الأكراد باتجاه العراق، وتستمر التهدئة مدة تسعة أشهر تم خلالها التعديلات الدستورية التي تعترف بالهوية الكردية وتعيد إليهم حقهم في المواطنة، بما يسهم في استتباب الأمن وشيوع الاستقرار في ربوع البلاد. سواء كان دافع أردوغان في ذلك رغبته في العثور على حليف جديد بعد فشل العلاقات مع سوريا، أو حرصه على كسب أصوات الأكراد قبل خوضه الانتخابات الرئاسية في العام المقبل، أو حتى تعزيز موقع بلده في محيط عالم السنة، فالثابت أن الفائز الأكبر في خطوته تلك هو الشعب التركي بمختلف مكوناته، لأن السلام المفترض من شأنه أن يعزز السلام والاستقرار والرخاء الذي ينعم به الجميع ــ عقبالنا. المقالة الثانية زارنى عدد من طلاب الإعلام لإجراء حوار يفترض أن يكون جزءا من مشروع تخرجهم فى نهاية العام. وقد حمل كل واحد منهم بضعة أسئلة حول الأوضاع الراهنة فى مصر. وكان من بين تلك الاسئلة ما يلى: لماذا لا يعود المجلس العسكرى لحكم مصر؟ وهل صحيح أن الرئيس مرسى فقد شرعيته؟ وهل صحيح أن حركة حماس تتولى حمايته؟ ما العمل فى جهاز الشرطة الذى لا يزال يصر على تعذيب المصريين وقتلهم؟ هل يمكن أن تباع قناة السويس للمستثمرين؟ وهل توطين الفلسطينيين فى سيناء ممكن؟ لماذا لم تحاسب حركة حماس على اشتراك عناصرها فى قنص الثوار؟ إلى أى مدى تعد إيران تهديدا وخطرا على مصر؟ ألا يعد منح حق الضبطية القضائية للمواطنين العاديين مقدمة لحدوث حرب أهلية فى مصر؟ هل يمكن أن يحكم البلد أعضاء جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟ هل تؤيد حق النوبيين فى الانفصال وحق أهالى بورسعيد فى الاستقلال عن مصر؟... إلخ. بعض تلك الاسئلة أجبت عنها بما تيسر، والبعض الآخر قلت إنه لا يعقل طرحها من الأساس، لأنها مبنية على شائعات وأخبار غير صحيحة. لكن الخلاصة التى خرجت بها من اللقاء أن معلومات هؤلاء الشباب مستقاة من برامج التليفزيون وعناوين الصحف، بمعنى أنهم ينتمون إلى جيل عصر المشاهدة، الذى تتشكل لديه الانطباعات وتتحدد الرؤى بناء على ما يشاهده المرء ويتلقاه من الخارج بغير جهد منه فى التحصيل أو القراءة الخاصة. وحتى أكون أكثر دقة فإن ذلك كان حكمى على الذين لقيتهم من الشباب ولا أستبعد أن تكون هناك نماذج أخرى أفضل حالا. فى تحليلى للموضوع خلصت إلى ما يلى: أنه فى عهد الاستبداد التى خلت هجر المصريون السياسة واستقالوا منها. فلا الأحزاب كانت تشجع على الانخراط فيها، ولا النقابات كانت بعيدة عن بطش السلطة وتحكمها، ولا الانتخابات النيابية أو المحلية أو حتى الطلابية كان يمكن أن تمر دون ضغوط الأجهزة الأمنية وتدخلاتها. وحين أدرك الناس أن باب السياسة مغلق فى وجوه الأغلبية ومفتوح على مصراعيه لأعوان النظام السابق، فإنهم أداروا ظهورهم لها وانصرف كل واحد إلى حال سبيله وقد اختزن مشاعره واحتفظ لنفسه بآرائه فى محيطه. حين قامت ثورة 25 يناير وكان خروج الملايين الحاشدة هو السبب الرئيسى فى إسقاط نظام مبارك بكل قوته وجبروته فإن ذلك أحدث انقلابا شاملا فى المشهد، كان من أبرز نتائجه أن الذين استقالوا من السياسة فى السابق عادوا إليها بقوة وصلت إلى حد الاندفاع، وكانت تلك العودة إيذانا بالجهر بكل ما كان مكتوما ومخزونا من مشاعر وانطباعات. ولأن حرية التعبير وغيرها من الحريات العامة غدت بلا سقف فى مصر، فقد أصبح بمقدور كل أحد أن يبوح بما عنده، باللغة التى يختارها وتمكِّنه من التعبير عن نفسه وإيصال رسالته إلى الآخرين، وفى ظل الانفلات الأمنى وغياب الشرطة فلم يعد أحد يعمل حسابا لأحد، وفى حالات كثيرة فإن الحدود تلاشت بين المباح وغير المباح والمعقول واللا معقول. ما يهمنا فى مشهد العودة إلى السياسة أن الجميع دخلوا إلى الحلبة فجأة باختلاف أعمارهم وفئاتهم. وتحقق ذلك الدخول فى ظروف ثورة الاتصال التى مكنت كل صاحب رأى أن يرفع صوته وأن يوصله إلى الآخرين فى ثوان معدودة، حتى صار لكل مواطن جريدته التى يتولى تحريرها بنفسه ويبث فيها آراءه فى كل ما يعن له. ولأن جيل الشباب هم الأقرب إلى أدوات تلك الثورة والأقدر على استيعابها والتعامل معها، فإن إيقاع العصر وقصر الوقت حرمهم من فرصة التحصيل وإحداث التراكم المعرفى المفترض. بالتالى فإن مرجعيتهم الثقافية باتت محصورة فيما يشاهدونه من صور وما يتابعونه من حوارات تليفزيونية وما يطالعونه من عناوين شريط الأخبار. وبعدما جذبتهم السياسة عقب الثورة، فإن الجميع صار لهم رأى فيها، حتى نافسوا فى ذلك تحول الجميع إلى خبراء ونقاد لمباريات كرة القدم فى العصور السابقة. فى ظل ضعف الأحزاب وحداثة تكوينها هيمنت الانطباعات الإعلامية والتليفزيونية على عقول أعداد غفيرة من المشاركين الجدد فى لعبة السياسة وإزاء التحيزات الراهنة فى الأداء التليفزيونى وتحول نجوم التليفزيون من مقدمى برامج إلى موجهين سياسيين ومحرضين فإن ذلك أسهم فى نقل شرائح من أولئك الشبان من طور الجهل بالسياسة واعتزالها إلى طور فساد الإدراك السياسى وتشوهه. ومن اللاذاكرة إلى الذاكرة العليلة. حتى صارت شريحة من الشباب مخيرة بين الجهل المطبق والمعرفة الفاسدة، وإلى أن تدور العجلة الديمقراطية سيظل الأداء الإعلامى المحايد والنزيه وحده الذى يستطيع أن يصوب الإدراك ويوفر للجميع المعرفة الصحيحة التى تقدم مصلحة الوطن على المصالح والحسابات الخاصة، وإذا سألتنى هل هذا ممكن فى أجواء مصر الراهنة، فردى بالنفى للأسف لأن حدة الاستقطاب أخرجت الإعلام والأداء التليفزيونى خاصة من سوق الإنصاف والنزاهة. المقالة الثالثة تمثيلية هزلية أخيرا عرفنا حقيقة جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، التى جرى تخويفنا بها وقيل لنا إنها ستتولى تقويمنا وتأديبنا، وجعل حياتنا أكثر استقامة وصلاحا وصفحتنا أكثر بياضا. فقد نشرت جريدة «الشروق» فى عدد 14/3 تحقيقا حول الجماعة المذكورة، ذكرت فيه أنها «اخترقتها» وأمضت يوما فى مقرها الرئيسى بالقاهرة، ونزلت مع بعض عناصرها الذين خرجوا إلى الشارع للقيام باللازم. أخبرنا التحقيق الذى أعدته إحدى الزميلات أن مؤسس الجماعة المذكورة «ترزى» مصرى يحمل الجنسية الأمريكية سبق أجرت معه إحدى الصحف حوارا قال فيه إن الجماعة هى التى ستحدد طبيعة الثياب التى يتعين على الرجال والنساء ارتداءها فى الشارع تعبيرا عن الاحتشام ودرءا للفتنة. وهى فكرة جديرة بأن تصدر عن ترزى لا يرى المجتمع إلا من خلال السراويل والتنانير. إزاء ذلك فلم يكن مستغربا أن يكون محل الترزى هو المقر الرئيسى لجماعة الأمر المعروف والمنكر التى أسسها الرجل. المحررة التى اخترقت الجماعة زارت المحل، وصادفت فيه اثنين من الأقباط رجل وامرأة دخلا فى الإسلام على أيديها، وذكرت أن المرأة التى انضمت إلى الجماعة تحظى برعايتها الكاملة. حيث تحملت نفقاتها ووفرت لها السكن والعمل. أثناء الوجود فى المحل هكذا مرة واحدة! تلقى رئيس الجماعة اتصالا هاتفيا من الرجل الثانى فيها. ودار الحوار حول «ضرورة النزول إلى المجتمع لفرض فكر الجماعة ــ هكذا كتبت المحررة ــ والسيطرة التامة على الشارع لتطبيق الشريعة»، وبدا أن ثمة اتفاقا على عقد اجتماع لهم للجماعة. بعد قليل حضر الرجل الثانى «مرتديا شالا أبيض على الرأس وجلبابا قصيرا. تبدو الشراسة على ملامحه ويسود وجهه تجهم مفتعل». واجتمع الرجل مع الحضور ومع آخرين توافدوا إلى المكان (لم تذكر عددهم) وبدأو الترتيبات الفعلية للنزول إلى الشارع. فى ذلك الاجتماع تكلم «الزعيم» ــ الوصف للمحررة ــ مؤكدا على أن الإعلام فاسد ينبغى تجنبه و«إبليس يخاف منه». وأن الديمقراطية كفر بواح يخرج عن ملة الإسلام، وأن الإخوان هم شؤم الديمقراطية وقال إنه يسعى بشدة لفض ميدان التحرير وإخلائه من العلمانيين الليبراليين. وفى هذا الصدد فإنه هدد بغزو الميدان وتحريره بالقوة من الاحتلال. حسب الكلام المنشور فإن الزعيم المؤسس قال للمجتمعين إنه بدأ ببيته وأن زوجته الثانية تشترك معه فى التبشير بفكر الجماعة فى مصر، وهو ما قامت به فى السعودية. مضيفا أن اجتماعات عقدت بين الهيئة فى مصر وبين رجال الجماعة فى السعودية، وقد رحب الأخيرون بنشاطها، وأبدوا الاستعداد الكامل للتمويل «مهما كانت التكاليف». أضاف الرجل فى كلمته أنه يجهز الشباب للجهاد فى سوريا، وأنه أوفد شابين لهذا الغرض، ثم قال إن الجماعة انتشرت فى مصر كالسرطان، حيث تجاوز عدد أعضائها الملايين من خيرة الشباب، إلى جانب النشء الصغير الذين لا يزيد أعمار بعضهم على 12 عاما. حين خرجوا إلى العمل رافقتهم المحررة. حيث التقوا برجلين أمام مسجد السيدة زينب، كان أحدهما تاجر مخدرات لكنه تاب وانضم للجماعة. دخل الفريق إلى بعض المحلات التجارية، ولكن الناس لم يرحبوا بهم، ذهبوا إلى أحد المقاهى وحاولوا نهى عامل عن تدخين الترجيلة فنهرهم، وهو ما تكرر مع ثان وثالث، وهو ما أفشل أول نزول لهم إلى الشارع. فى اليوم التالى اتصل مؤسس الجماعة ــ شخصيا ــ بالمحررة لكى يخبرها بعقد أول ندوة رسمية فى المساء بأحد مساجد حى السيدة زينب، ودعاها لحضور الندوة (للتسجيل والتصوير). فى الموعد المحدد جاء الزعيم مصطحبا شخصين اثنين فقط، وعندما دخلوا إلى المسجد أخبرهم المؤذن بأنه تم إلغاء الندوة. وقيل لهم إن الأمن الوطنى هو الذى قرر ذلك بناء على طلب وزارة الأوقاف. ولأن الجماعة دعت مصورى بعض المحطات التليفزيونية لتسجيل اللقاء فإن المؤذن طلب من الجميع إخراج الكاميرات وإخلاء المسجد. إزاء ذلك أعلن الزعيم أنهم سيعقدون الندوة فى مسجد آخر، وحين ذهبوا إليه كان عدد الحضور خمسة أو ستة أشخاص منهم الزعيم ونائبه وثلاثة من الملتحين، ومعهم طفل صغير. الطفل ألقى قصيدة عن القدس قوبلت بالتهليل، ثم تحدث الزعيم عن رفض العنف وواجب القيام بالنصح، وكرر رفضه للأحزاب والديمقراطية. ونقلت المحررة عن أحد أعضاء الجماعة قوله إن كثيرين يؤيدونها، وأنه يجتمع كل أسبوع مع بعض الشباب فى أحد مساجد حى الوايلى، إلا أنه لا يخاطب الفتيات المتبرجات وإنما يطالب الحكومة بتحديد زى رسمى للفتيات للحفاظ على مظهرهن، وحتى لا يتعرضن للاغتصاب. وختم كلامه قائلا إنهم سينتشرون فى الصعيد الأكثر محافظة وتدينا، وسوف يستعينون بأنصارهم فى تحرير القاهرة من المعاصى والرذيلة. اعتبرت التحقيق الذى احتل ثلاثة أرباع صفحة نوعا من المتاجرة الضحلة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ووجدت أن الكلام المنشور بمثابة تمثيلية هزلية أراد بها الترزى وأعوانه المعدودون أن يستثمروا سباق الإثارة للظهور فى وسائل الإعلام التى تلهث وراء مثل هذه الفرقعات، لذلك قلت إن النفخ فى المسألة وتصويرها باعتبارها «اختراقا» للجماعة الوهمية هو أحد المنكرات التى تبتذل المهنة وتستخف بالقارئ ناهيك عن ابتذالها للتكليف الشرعى، حتى خطر لى أن أهتف بعدما قرأت التحقيق المنشور: جماعة أونطة، هاتوا فلوسنا! المقالة الرابعة هل صحيح أن الصراع الحاصل فى مصر الآن هو بين الموروث والعصر؟ استوقفتنى هذه المقولة حين ترددت فى الآونة الأخيرة. واعتبرتها من قبيل التشخيص المتسم بالتبسيط والتغليط ــ لماذا؟ لعدة أسباب أولها أن الأزمة يتعذر اختزالها فى عنصر واحد، وإنما هو حصيلة عوامل عدة بعضها داخلى والبعض الآخر خارجى. ذلك أن اللاعبين على المسرح السياسى هم نتاج عدة عقود من الاستبداد والإقصاء أحدثت تشوهات عميقة فى جميع القوى السياسية أفقدتها القدرة على العمل المشترك بقدر ما حرمتها من خبرة إدارة الشأن العام، ثم إن تلك المرحلة تخللتها ارتباطات وتعهدات قدمتها القيادة المصرية السابقة للولايات المتحدة وإسرائيل بوجه أخص، أحسب أنها تشكل قيودا تكبل حركة أى نظام جديد يقوم فى البلد. الأمر الذى يؤثر سلبا على مجال وكفاءة إدارته. السبب الثانى للتبسيط أننا لا نكاد نرى فى التجاذب الحاصل فى مصر صراعا حول معادلة الموروث والعصر. فإذا تساءل المرء منا عن طبيعة الموروث أو العنوان العصرى المختلف عليه فإنه لن يجد. وفيما خص الشريعة مثلا فإننا نجد إجماعا بين القوى المتصارعة على الأقل على القبول بالمادة الثانية فى الدستور التى اعتبرت أن مبادئها تشكل المصدر الأساسى للتشريع. وحتى الخلافات القائمة حول الجمعية التأسيسية أو الدستور أو قانون الانتخابات فإننا نراها خلافات حول أسلوب إدارة الدولة وصراعا بين التيارات السياسية بشأن التمثيل والحصص والاجتهادات فى ترتيب أولويات المرحلة، ولا نكاد نجد أثرا لخلاف حول شىء من الموروث أو حول التعامل مع شىء من تحديات ومتطلبات العصر. خطورة فكرة الصراع بين الموروث والعصر تكمن فى أنها تصوغ العلاقة بينهما على أساس إقصائى وتصادمى، ولا استبعد أن تكون تلك الفكرة من أصداء القسمة المتعسفة وغير البريئة التى أقامت معسكرا منفصلا حشرت فيه القوى الدينية. وفى مقابلة معسكر آخر لجماعات اعتبرت نفسها قوى مدنية. وقد اعتبرتها غير بريئة لأن العنوانين يعبران فى حقيقة الأمر عن الخلاف الإسلامى العلمانى. ولأن العلمانية مصطلح سيئ السمعة ولا جماهيرية له فى مصر فإن أنصارها آثروا إخفاء الصفة بتعبير آخر أكثر قبولا وجاذبية. ووقع اختيارهم على مصطلح المدنية. وهو ما أساء إليهم من حيث لا يحتسبون، لأن وضعه فى مقابل القوى الأخرى ظلمهم من حيث إنه اعتبرهم فى حالة اشتباك وصراع مع المرجعية الإسلامية، فى حين أن أغلبهم ليس كذلك. تماما كما أن ما سمى بالقوى الدينية ليست فى حالة اشتباك أو خصومة مع الفكرة المدنية، إذ إن المقصود بها إدارة المجتمع من خلال مؤسسات منتخبة دونما إقصاء للبعد الدينى والإيمانى. ولدى مفكرى الإسلام المحدثين كتابات غنية فى مدنية الإسلام قدمها شكيب أرسلان ومحمد عبده والشيخان محمد الغزالى ويوسف القرضاوى والدكتور محمد طه بدوى وصولا إلى الدكتور محمد عمارة والمستشار طارق البشرى، وغيرهم كثيرون. تحضرنا تجربة تونس فى هذا السياق. فالحكم هناك قائم على تحالف حركة النهضة الإسلامية صاحبة الأغلبية فى المجلس التأسيسى مع حزبين آخرين لهما تمثيلهما النسبى فى المجلس. أحدهما علمانى والآخر أكثر ميلا إلى اليسار، فيما سمى بـ«الترويكا»، ولم يمنعهم اختلاف الرؤى فى إقامة ذلك التحالف فى حين أن هناك قوى أخرى فى المعارضة ليبرالية وعلمانية ويسارية، والتجاذب بين الطرفين مستمر طوال الوقت. وهذا النموذج يشهد بفساد فكرة التقاطع بين الموروث والعصر أو بين الدينى والمدنى. بقدر ما يدلل على أن سعة الأفق وحسن الإدارة السياسية كفيلان بتحقيق التوافق بين المختلفين واجتماعهم على ضرورة الاحتشاد للدفاع عن المصالح العليا للوطن. لست أشك فى أن أخطاء إدارة الرئيس مرسى أسهمت فى احتشاد القوى الليبرالية والعلمانية واليسارية ضده، لكنى لست واثقا من أنه لو أحسن الإدارة سوف يحظى بقبول تلك القوى وتأييدها له، لسبب آخر لا علاقة له بالموروث أو العصر، يتلخص فى أن هؤلاء الأخيرين احتكروا السلطة فى مصر طوال العقود الثلاثة الأخيرة، الأمر الذى أخضع البلد لحكم الأقلية السياسية فى تلك المرحلة. وحين أجريت الانتخابات الحرة خسرت تلك الأقلية موقعها، وارتفعت أسهم التيارات المعبرة عن الهوية الإسلامية، الأمر الذى أحدث انقلابا فى المعادلة أثار حفيظة أحزاب الأقلية فاستشاطت غضبا، وقررت أن تخوضها حربا شرسة دفاعا عن وجودها، فكانت الأزمة التى نحن بصددها الآن ــ والله أعلم المقالة الخامسة مشهد ﻻ يطمأن لا تبعث على الارتياح أو الاطمئنان المعلومات المنشورة عن ملابسات وفاة الناشط السياسى محمد الجندى. ذلك أن «صحيفة الشروق» نشرت فى عدد الاثنين 11/3 ان نيابة قصر النيل قررت تشكيل لجنة ثالثة للتدقيق فى أسباب وفاته، بعدما تبين أن ثمة تناقضا بين ما توصلت إليه مصلحة الطب الشرعى فى فحصها لأسباب الوفاة، وبين ما انتهت إليه فى هذا الصدد اللجنة الثلاثية التى ضمت عددا من الخبراء من خارج المصلحة. وكانت مصلحة الطب الشرعى قد ذهبت فى تقريرها إلى أن الجندى مات جراء إصابته فى حادث سيارة. أما اللجنة الثلاثية فإنها قررت بعد فحص الجثة أن الوفاة نتجت عن التعرض للضرب المبرح على الجسم والرأس، الأمر الذى أدى إلى إصابة الجندى بكسور فى الضلوع والقدمين، إضافة إلى معاناته من نزيف حاد فى المخ أفقده الوعى لعدة أيام، قبل أن يفارق الحياة. حسب النص المنشور فإن رئيس مصلحة الطب الشرعى الأسبق، السيد أيمن فودة، أرجع ذلك التضارب فى التقارير إلى قلة الامكانات وغياب الأجهزة المعملية لدى المصلحة. لأن هذا الكلام لم يصوب أو يكذب منذ نشره يوم الاثنين الماضى وحتى اليوم، فإن ذلك يسوغ لنا أن نتعامل معه باعتباره صحيحا. وهذا الافتراض يسمح لنا بأن نقول إن المعلومات الواردة فيه تصدمنا بقدر ما انها لا تفاجئنا. تصدمنا لأنها تعطى انطباعا بأن مصلحة الطب الشرعى التى هى جهة حكومية برأت ساحة الشرطة، فى حين أن الخبراء المستقلين والمعينين من الخارج كانوا أكثر حيادا وشجاعة، ولم يترددوا فى إثبات التعذيب بحق الشاب محمد الجندى، بل ذكروا تفاصيل الإصابات التى حلت به جراء التعذيب. حتى التبرير الذى ساقه رئيس الطب الشرعى الأسبق جاء صادما لنا أيضا، لأن ضعف امكانات المصلحة لا يبرر تجاهل آثار التعذيب الظاهرة على الجثة، ثم إن ذريعة الضعف تلك تفتح الباب للشك والطعن فى بقية تقارير الطب الشرعى، لأن ما حدث بحق الجندى لا يستبعد أن يكون قد حدث مع غيره من الضحايا، الذين ربما برئ قاتلوهم ومعذبوهم بغير وجه حق. هذه الخلاصة لا تفاجئنا لأن لنا خبرة طويلة فى سياسة تحكم جهاز الأمن فى كل الحلقات المتصلة بأنشطته، بحيث تحولت كل العناصر التى تباشر تلك الأنشطة إلى أذرع للأمن، تنفذ سياساته وتحمى ممارساته وتتستر على أخطائه وجرائمه، والطب الشرعى يمثل إحدى هذه الحلقات، كما أن أطباء السجون يمثلون حلقة أخرى، ورجال التحقيق والنيابة يعدون حلقة ثالثة. إذ عند هؤلاء جميعا وفى حالات استثنائية معدودة، ظلت كلمة الأمن هى العليا، وفى تلك الحالات الاستثنائية فإن كل من تمرد على سلطة الأجهزة الأمنية أبعد عن الطريق ورفع عنه الرضا. لا نعرف ماذا ستقول اللجنة الثالثة التى تشكلت من خبراء مستقلين ونظائر لهم يمثلون مصلحة الطب الشرعى، لكن الذى نعرفه جيدا أن سياسة الأجهزة الأمنية التى استمرت لنحو نصف قرن لا يتوقع لها ان تتغير خلال أشهر معدودة أو سنتين. والذى نعرفه أيضا أن تلك السياسة لابد لها أن تتغير بعد الثورة، لأن استمرار التعذيب فى السجون والتلاعب فى تقارير قتل الناشطين يشكل وصمة عار فى جبين الثورة، وما لم يتوقف التعذيب باختلاف صوره فإن ذلك يعنى إجهاض أهم أحداث الثورة المتمثلة فى الدفاع عن كرامة المصريين وحرياتهم. نعرف كذلك ان إرادة تغيير تلك السياسة لم تتوافر بشكل كاف بعد، فقد تمت تبرئة الأغلبية الساحقة من رجال أمن الدولة الذين اتهموا فى قضايا التعذيب، كما اننا لم تشهد تعاملا حازما مع الذين اتهموا فى قضايا قتل المتظاهرين، ناهيك عن تمييع مسألة القناصين الذين استهدفوهم من فوق أسطح البنايات. وذهبت حملة التمييع إلى حد محاولة توجيه أصابع الاتهام إلى عناصر حركة حماس، لإقناعنا بأن الحركة التى كانت من أكثر المتحمسين والمستفيدين من الثورة هى المسئولة عن قتل بعض أبنائها. إن قضية الشهيد محمد الجندى تختزل أزمة وزارة الداخلية بمختلف عناوينها صحيح أن خطوات عدة اتخذت لإقصاء عدد غير قليل من عناصرها وثيقى الصلة بسياسة المرحلة السابقة، لكن ثبت أن ذلك لم يكن كافيا. بقدر ما ثبت ان اعادة هيكلة الوزارة بالكامل باتت أمرا ضروريا لا غنى عنه وتأجيلها المستمر الضرر فيه أكثر من النفع. إننى أخشى ان تخلص اللجنة الخماسية الجديدة إلى رأى يختلف عما توصلت إليه اللجنتان الأولى والثانية. وهو ما قد يضطر النيابة إلى تشكيل لجنتين رابعة وخامسة، وربما تحولت القضية إلى لغز يستدعى خبيرا أجنبيا لحله حين يكون الموضوع قد طواه النسيان. وتظل مشكلتنا قائمة ومتمثلة فى حاجتنا إلى شجاعة إعلان الحقيقة وعدم التردد فى محاسبة المسئولين عن التعذيب والقتل إذا ثبت، الأمر الذى يلقى فى وجوهنا بالسؤال: من يعلق الجرس فى رقبة القط؟

الاثنين، 20 أغسطس 2012



شارك برايك يهمنا Feedback Feedback mhassanabo@gmail.com maboeleneen@yahoo.com
مقاله علاء الأسواني فى جريدة المصرى اليوم
" فرحة صادقة ومخاوف مشروعة "
15 اغسطس 2012
اذا كنت شاركت في الثورة المصرية أو دعمتها أو حتى تفهمت أسبابها فلاشك أن قرارات الرئيس مرسي الأخيرة قد أسعدتك . بالرغم من كل محاولات النظام القديم لاجهاض الثورة الا أن الشعب استطاع أن يفرض رئي…سا مدنيا منتخبا لأول مرة منذ ستين عاما واستطاع هذا الرئيس المنتخب ان يحقق مطلبا أساسيا للثورة وهو اسقاط حكم العسكر ..باقالة المشير طنطاوي والفريق عنان والغاء الاعلان الدستوري المكمل يتحول الدكتور مرسي فعلا الى رئيس منتخب يمتلك كل الصلاحيات اللازمة لاقامة الجمهورية الثانية في مصر ..
بامكان الرئيس مرسي الآن أن يبدأ بناء الدولة الديمقراطية التى استشهد وأصيب آلاف المصريين وهم يحلمون برؤيتها . .
قرارات الرئيس مرسي جلبت الفرحة لكل من رأيتهم لكن هذه الفرحة لم تكن صافية وانما شابتها مخاوف .. . مصريون كثيرون يتساءلون هل يجب أن نفرح لأن حكم العسكر الذى طالما هتفنا بسقوطه قد سقط أم يجب أن نقلق على مصر لأن ما يحدث هو تمكين للاخوان من السيطرة على الدولة..؟! هذه المخاوف لها أسباب مشروعة تتلخص في الآتي :
أولا : ان الرئيس مرسي بالرغم من كونه منتخبا وشرعيا الا انه ينتمي الى جماعة الاخوان المسلمين بكل ما يكتنف هذه الجماعة من غموض في السلوك والتنظيم والتمويل ..
الجماعة غير مسجلة ولا مرخصة وميزانيتها الهائلة لا تخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات وأظن أن الرئيس من واجبه أن يقنع قيادات الاخوان أو يلزمهم بفتح الصندوق الأسود للجماعة وتوفيق أوضاعها واخضاعها لرقابة الدولة حتى يقضى على كل الهواجس التي تراود ملايين المصريين ..
ثانيا : مع الغاء الاعلان الدستوري المكمل أعطى الرئيس مرسي لنفسه حق تشكيل جمعية تأسيسية للدستور اذا قام مانع يحول دون استكمال الجمعية الحالية لعملها .. هذا الحق الذى منحه الرئيس لنفسه غير ديمقراطي وغير مقبول .. لأن الجمعية التأسيسية يجب أن تعبر عن ارادة الشعب لا عن رغبات الرئيس حتى ولو كان منتخبا .
كنا ننتظر من الرئيس مرسي أن يعيد الحق للشعب صاحب السلطة فيكون من حق الشعب اختيار لجنة تأسيسية للدستور عن طريق الانتخابات الحرة وكنا ننتظر منه أن ينفذ وعده باعادة تشكيل اللجنة الحالية بحيث لا يسيطر عليها التيار الاسلامي ويوجهها وفقا لأفكاره.
ثالثا : المعروف في العالم كله أن وزارة الاعلام اختراع قمعي فاشل لا يوجد الا في الأنظمة الشمولية حيث تسعى أنظمة الاستبداد الى توجيه الرأى العام عن طريق انشاء وزارة للاعلام تشرف على تلقين الناس مجموعة من الاكاذيب تمجد الحاكم المستبد وتبرر كل ما يفعله حتى لو ارتكب جرائم ..
كان مطلب الثورة أن يتم الغاء وزارة الاعلام وانشاء مجلس أعلى للاعلام يراقب المعايير المهنية لوسائل الاعلام لكننا فوجئنا بالرئيس يحتفظ بوزارة الاعلام ويضع على رأسها أحد الاعضاء البارزين في جماعة الاخوان .
لايمكن تفسير ذلك الا برغبة الرئيس في ترويض الاعلام بدلا من تحريره وقد بدأ السيد وزير الاعلام عمله بطريقة أمنية تماما فقام بحملة من أجل فحص التصاريح الخاصة ببعض المذيعين الذين يعملون في القنوات الخاصة ثم أعقب ذلك بقرار اداري من الحكومة باغلاق قناة الفراعين ..
لايمكن بالطبع أن أدافع عن الأداء الاعلامي المنحرف لقناة الفراعين فالسيد توفيق عكاشة صاحب هذه القناة استعملها في قذف وسب معظم الوجوه التى ارتبطت بالثورة وأنا منهم وقد تقدمت ببلاغ للنائب العام ضد شتائم مقذعة انهال بها توفيق عكاشة على شخصى في برنامجه لكن البلاغ كالعادة تاه في أدراج النائب العام منذ شهور .. توفيق عكاشة وأمثاله يستحقون المساءلة القانونية بلاشك لكن اغلاق القنوات التليفزيونية في النظام الديمقراطي لا يكون أبدا تنفيذا لأمر اداري وانما تغلق القنوات تنفيذا لحكم قضائي نهائي ..
واذا قبلنا اليوم اغلاق الفراعين بقرار اداري فان أية قناة تليفزيونية ستغضب الرئيس مرسي في المستقبل سيتم اغلاقها بقرار اداري . كما أن توفيق عكاشة ليس الوحيد الذى يمارس القذف والسب على الهواء فهناك توفيق عكاشه آخر ينتسب للتيار الاسلامي هو الشيخ خالد عبد الله على قناة الناس وهو يوجه شتائم مقذعة لكل من يختلف معه في الرأى وقد نالنى أيضا جانبا من شتائمه فتقدمت ببلاغ ضده للنائب العام لكن البلاغ نام أيضا في الادراج مثل البلاغ الآخر ..
- السؤال .. هل يحاسب توفيق عكاشة على أدائه الاعلامي المتدني وتطاوله بغير حق على الناس عموما أم أنه يحاسب فقط على تطاوله على الرئيس مرسي ..؟ اذا كان عكاشه يحاسب على تجاوزه فيجب أن يحاسب أيضا الشيخ خالد عبد الله لأنه لايقل عنه تجاوزا أما اذا كان عكاشه يعاقب لأنه أغضب الرئيس فهنا يجب أن ننبه الى خطورة أن يدفع الرئيس حكومته للتنكيل بمعارضيه بينما من يرتكب نفس التجاوزات اذا كان منتميا للتيار الاسلامي لا يحاسبه أحد
رابعا : في كل النظم الديمقراطية تحفل وسائل الاعلام بالنقد لرئيس الدولة لكن القانون لايحاسب أحدا على نقده للرئيس مهما يكن قاسيا ومتجاوزا .القانون في النظام الديمقراطي ، في جريمة القذف والسب ، لا يتسامح فيما يخص الاشخاص العاديين لكنه يتسامح تماما فيما يخص الوزراء والرئيس .. فلو أنك قلت لجارك أو زميلك في العمل : أنت لص وكذاب .. يستطيع أن يقاضيك ويحصل على حكم ضدك أما اذا كتبت في جريدة أن رئيس الجمهورية كذاب ولص فان القانون يعفيك من أية محاسبة لأن نقد رئيس الجمهورية حتى ولو كان قاسيا الغرض منه الصالح العام ..
في فرنسا جريدة ساخرة شهيرة اسمها البطة المقيدة . تصدر كل أربعاء منذ عام 1915 لتسلخ رئيس جمهورية فرنسا وكبار المسئولين بسخرية لاذعة وتصورهم في كاريكاتير بطريقة مضحكة لايمكن أن يقبلها المواطن العادي على نفسه لكن المسئول العام يقبلها .
مقاله علاء الأسواني فى جريدة المصرى اليوم : ..ماذا تنتظر مصر ..؟!..
أغسطس 7th, 2012 كتبها علاء الأسوانى نشر في ,
مقاله علاء الأسواني فى جريدة المصرى اليوم
7 اغسطس 2012
..ماذا تنتظر مصر ..؟!..
هل يجوز أن تهاجم انسانا وهو يؤدى فريضة دينية ؟! .. هل يجوز أن تهاجم انسانا وهو يصلى سواء كان مسلما أومسيحيا أو يهوديا أو يعتنق أي دين آخر..؟!. هل يجوز أن تهاجم انسانا ص…ائما وهو يستعد للافطار والصلاة ..؟! .هذه جريمة حقيرة ودنيئة في كل الأعراف والقوانين .
بعض الجماعات الارهابية المنتسبة للدين كذبا هاجمت الجنود والضباط المصريين في رفح وهم صائمون يستعدون للافطار . أطلقت النار عليهم وهم يقومون بواجبهم في حماية حدود بلادهم .
أسفر الهجوم الاجرامي عن استشهاد 16 ضابطا وجنديا مصريا واصابة العديد من زملائهم ثم استولى الارهابيون على مدرعتين مصريتين وهجموا بهما على الحدود الاسرائيلية حيث تعامل معهم الجيش الاسرائيلي وقصف المدرعتين ثم أذاع أنه أحرق مدرعة ولم يشر الى مصير المدرعة الأخرى .. الحادث مريب وخطير فعلا ويثير أسئلة عديدة ويفرض علينا رؤية مختلفة للمشهد في مصر . ..
أولا : منذ أن نجحت الثورة في خلع مبارك ، تولى المجلس العسكري سلطة رئيس الجمهورية لحين كتابة الدستور وانتخاب رئيس جديد وقد طالبت القوى الثورية أكثر من مرة بتشكيل مجلس رئاسي مدنى من شخصيات وطنية مستقلة مع وجود ممثل للجيش بحيث يؤدي هذا المجلس الرئاسي مهام رئيس الجمهورية خلال الفترة الانتقالية .
اقتراح المجلس الرئاسي المدنى كان يستند الى حقيقيتين : أولا أن القادة العسكريين مع خبرتهم العسكرية الكبيرة ليس لديهم أدنى خبرة بادارة الدولة مما سيؤدي الى أزمات ومشكلات حدثت بالفعل ولازلنا نعاني منها جميعا
وثانيا : أن مهمة القادة العسكريين في العالم كله أن يتفرغوا لمهمتهم الأساسية في الدفاع عن الوطن بعيدا عن شئون الحكم والصراعات السياسية لكن المجلس العسكري رفض هذا الاقتراح وأصر على أن يتولى بنفسه الشئون السياسية وغرق اللواءات أعضاؤه في تفاصيل كتابة الدستور واجراء الانتخابات وحل مجلس الشعب وللأسف فان استغراق قيادات الجيش في الشئون السياسية قد ترك أثره بالتأكيد على تركيزهم في أداء دورهم العسكري .ان هذا الحادث الارهابي ينم عن تقصير مؤسف من بعض الأجهزة في القوات المسلحة
لقد تنبأت اسرائيل وأعلنت عن وقوع عملية ارهابية في سيناء بل وحذرت المواطنين الاسرائيليين من زيارة جنوب سيناء . اذا كان هذا الهجوم الارهابي متوقعا ومعلنا بهذا الشكل قبل حدوثه بأيام فلماذا لم يتخذ القادة العسكريون في مصر الاحتياطات اللازمة لاحباط هذا الهجوم وحماية جنودنا الذين استشهدوا ..؟! ..
لماذا لم تصدر تعليمات برفع درجة الاستعداد تحسبا لهجوم أكدت اسرائيل أنه سيحدث في سيناء ..؟! ان هذا التقصير الذى أدى الى سقوط 16 شهيدا مصريا يجب أن يكون محل تحقيق فوري موسع وحازم داخل القوات المسلحة حتى لا يتكرر ..
ثانيا : منذ اليوم الأول للثورة المصرية وقفت اسرائيل بوضوح وقوة في صف حسني مبارك الذي وصفه مسئولون اسرائيليون بأنه كنز استراتيجي للدولة العبرية . ولأول مرة في تاريخ اسرئيل يعقد رئيس وزرائها ثلاثة مؤتمرات صحفية في أقل من ثلاثة أسابيع من أجل هدف واحد ..
تدعيم نظام مبارك ضد الثورة بل ان اسرائيل مارست ضغوطا غير مسبوقة على الادارة الأمريكية حتى تمنع سقوط مبارك لكن الثورة انتصرت وخلعت مبارك .
من السذاجة اذن أن نتصور ان اسرائيل سيسعدها نجاح الثورة أو أنها ستقف مكتوفة الأيدي حتى يتم التحول الديمقراطي في مصر . اسرائيل تعرف جيدا حجم مصر وتأثيرها في العالم العربي وتعلم أيضا أن مصر تملك امكانات كبرى وأنها لو أتمت التحول الديمقراطي فسوف ستتحول في سنوات قليلة الى دولة كبرى وتستعيد دورها في قيادة الوطن العربي . اسرائيل تعلم أن الثورة في مصر لو نجحت فان العالم العربي كله سوف يحقق النهضة وهي ستبذل كل جهدها لمنع هذه النهضة . ..
من ناحية أخرى فان اسرائيل تتحرك وفقا لعقيدة صهيونية تعتبر حدود اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات وبالتالي فان كل المعاهدات التى توقعها اسرائيل تعتبرها خطوات تكتيكية تستطيع أن تتنصل منها في أى وقت لتنفذ خطتها النهائية في السيطرة على العالم العربي . هذه العملية الارهابية لا تفيد أحدا الا اسرائيل بل ان شكوكا قوية تحيط بدور اسرائيل في هذا الهجوم . لماذا وكيف تنبأت اسرائيل بالعملية الارهابية قبل حدوثها بأيام…؟ مالذى يدفع الارهابيين الى دخول اسرائيل بمدرعتين ؟!.. هل من المعقول أن يتصوروا أنهم سينفذون أية عملية داخل اسرائيل باستعمال مدرعتين فقط ..؟!.
ألم يعلم الارهابيون يقينا أن القوات الاسرائيلية تراقبهم وسوف تقصفهم فور اقترابهم من الحدود ..؟! ان دخول الارهابيين الى اسرائيل يزيد من الشكوك حول دور اسرائيل في الهجوم .. أضف الى ذلك أن الهجوم الاسرائيلي على المدرعتين داخل اسرائيل يقضى على كل أمل لمصر في معرفة شخصيات الارهابيين ومن يقف وراءهم ..ان هذا الهجوم يحقق أهدافا محددة لاسرائيل التى أعدت الرأى العام في العالم من أجل هذه اللحظة . .
اسرائيل منذ فترة تملأ الدنيا ضجيجا في الصحافة الغربية عن خطورة الفراغ الأمنى في سيناء ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون حذرت أكثر من مرة من عمليات ارهابية قد تنطلق من سيناء ضد اسرائيل وقد أطلق وزير الدفاع الاسرائيلي تصريحا يلوم فيه الجيش المصري لأنه قصر في حماية الحدود ويلوح باستدعاء قوات دولية لحماية أمن اسرائيل .كل هذا في رأيي يبدو مدبرا ومخططا .  د. علاء الأسوانى فى جريدة المصرى اليوم : هل ندعم الإخوان أم العسكر..؟!

يوليو 31st, 2012 كتبها علاء الأسوانى نشر في , مقالات,
هل ندعم الإخوان أم العسكر..؟!
مقاله د. علاء الأسوانى فى جريدة المصرى اليوم
٣١/ ٧/ ٢٠١٢
«القرآن يدعو إلى الكراهية والعنف والإذعان والقتل والإرهاب.أنا لا أكره المسلمين. أنا أكره الإسلام نفسه»..
هذه الكلمات البذيئة قالها جيرت فيلدرز، زعيم اليمين المتطرف فى هولندا، هذا الرجل يثير موجات من الكراهية ضد المسلمين أينما ذهب، وهو يعتبر الإسلام خطرا على أوروبا يجب محاربته بشراسة، وقد صنع فيلماً بعنوان «فتنة» حافلا بالهجوم الجاهل الظالم على الإسلام مما أدى إلى محاكمته بتهمة إثارة الكراهية (وهى تهمة أتمنى أن يتم تطبيقها فى مصر ضد كل من يسىء إلى الآخرين بسبب معتقداتهم الدينية). جيرت فيلدرز ليس نموذجا نادرا وإنما هو جزء من ظاهرة تجتاح أوروبا الآن، حيث يصعد اليمين المتطرف ويكتسب مقاعد فى البرلمانات تتراوح بين ٥ و٢٠ فى المائة. فى كل بلد أوروبى يوجد حزب يمينى متطرف يتبنى خطابا معاديا للمهاجرين. أسباب صعود اليمين المتطرف عديدة: سقوط الاتحاد السوفيتى وتأثيره السلبى على أحزاب اليسار، والأزمة الاقتصادية التى تجعل بعض الأوروبيين يشعرون بالكراهية نحو الأجانب لأنهم فى ظنهم يأخذون فرصهم فى العمل، هناك أيضا اعتداءات ١١ سبتمبر فى الولايات المتحدة والعديد من العمليات الإرهابية التى تورط فيها متطرفون إسلاميون..
أضف إلى هذا أن معظم المساجد فى الغرب ينفق عليها شخصيات أو جمعيات وهابية من الخليج، وبالتالى تقدم القراءة الوهابية المتشددة التى تعطى صورة سيئة وغير حقيقية عن الإسلام.. فى كل الأحوال، فإن صعود اليمين المتطرف فى الغرب ظاهرة سيئة تقلق الغربيين جميعا، لأن هذه الأحزاب المتطرفة ليست فقط معادية للإسلام بل هى أيضا غالبا معادية لليهود والملونين والسود، وهى تؤمن غالباً بمبدأ عنصرىّ اسمه «التفوق الأبيض»، يفترض أن جينات الرجل الأبيض تجعله كائنا إنسانيا أرقى من الإنسان غير الأبيض (هذا الافتراض من الناحية العلمية هراء لا يستحق المناقشة).. الأحزاب اليمينية المتطرفة تتحفظ عادة على حقوق المرأة، وهى كثيرا ما تجاهر بالإعجاب بالأفكار النازية والفاشية، وكلاهما ضد الديمقراطية.. وقد أدت هذه الأحزاب المتطرفة إلى ظهور مجموعات مسلحة من اليمينيين المتطرفين، يحلقون شعر رؤوسهم ويجوبون المدن الأوروبية ليعتدوا على المهاجرين ويحرقوا بيوتهم وقد قامت هذه المجموعات بعمليات إرهابية مروعة، كان آخرها اعتداء النرويج الذى نفذه يمينى متطرف، وراح ضحيته ٧٧ شخصا..
الديمقراطية الغربية تواجه إذن موقفا فريدا من نوعه: باسم الديمقراطية تكونت أحزاب تحمل أفكارا عنصرية، تحض على الكراهية، وتعتنق نظريات قد لا تعترف بالديمقراطية أساسا.. والسؤال: لماذا لا تتخذ الحكومات الغربية قرارا بإغلاق هذه الأحزاب واعتقال أعضائها فتستريح وتريح الناس؟.. الإجابة: إن المبادئ الديمقراطية تمنع أى إجراءات استثنائية، ومن حق أى مواطن أن يعبّر عن أفكاره مادامت لا تخالف القانون. أعضاء الأحزاب المتطرفة بمجرد أن يقولوا أو يفعلوا ما يخالف القانون يتم القبض عليهم وإحالتهم للمحاكمة، ولو أن أى حكومة غربية اتخذت إجراء استبدادياً وأغلقت الأحزاب المتطرفة سيكون أول من يدافع عن هذه الأحزاب خصومهم السياسيين، لأنهم فى هذه الحالة يدافعون عن قواعد الديمقراطية حتى لو استفا
مقاله علاء الأسوانى فى جريدة المصرى اليوم : من المتحول يا ساويرس؟!
يوليو 24th, 2012 كتبها علاء الأسوانى نشر في , مقالات,
من المتحول يا ساويرس؟!
مقاله علاء الأسوانى فى جريدة المصرى اليوم
٢٤/ ٧/ ٢٠١٢
منذ بضعة شهور، سافر السيد نجيب ساويرس فى زيارة إلى كندا أجرى خلالها عدة مقابلات فى التليفزيون، وقد كرر ساويرس - فى كل لقاءاته - مطالبته للدول الغربية بالتدخل فى مصر من أجل حماية الأقباط ومساعدة الليبراليين فى بناء الدولة المدنية وعندما اعترض المذيع على تدخل الغرب فى شؤون مصر صاح ساويرس غاضبا:
- لماذا تتركون قطر والسعودية تمولان الإخوان المسلمين؟!. إما أن تمنعوا هذا التمويل أو تتدخلوا فى مصر لصالحنا.
وفى لقاء آخر مع المذيعة الكندية كريستينا فريلاند طالب ساويرس الغرب بالتدخل لحماية الأقباط والليبراليين من الإسلاميين وعندما اعترضت المذيعة على التدخل فى شؤون مصر قال ساويرس بالحرف:
- عندما تتدخل الدول الغربية لدعمنا لا يجب أن يكون ذلك علنا.
واندهشت المذيعة وقالت:
- أنت إذن تطالب الدول الغربية بدعم سرى..
.. كل هذه اللقاءات مسجلة ومتوفرة على الإنترنت ولا يستطيع ساويرس إنكارها.. ليس من حقى أن أشكك فى وطنية نجيب ساويرس لكننى أرفض تماما هذا الطلب الذى قدمه للدول الغربية حتى تتدخل فى شؤوننا.. وإذا كان هناك تمويل للإسلاميين من قطر والسعودية فالحل الصحيح أن تخضع ميزانيات الأحزاب الإسلامية والمدنية جميعا لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات مع تجريم أى تمويل سرى مهما يكن نوعه ومصدره.. أما أن يطالب ساويرس الحكومات الغربية بالتدخل فى مصر لحماية الأقباط فلا شك عندى أن الأقباط بكل تاريخهم الوطنى سيكونون أول من يرفض هذا التدخل المشين، أنا يسارى أدافع عن الدولة المدنية التى يتساوى فيها المواطنون بغض النظر عن أديانهم لكننى أرفض أى تدخل أجنبى فى شؤون بلادى وأسأل السيد ساويرس:
أى ديمقراطية تلك التى ستصنعها لنا الحكومات الغربية الاستعمارية؟!. اذكر لى بلدا عربيا واحدا قامت فيه الحكومات الغربية بحماية الأقليات.. هل حمت الولايات المتحدة المسيحيين أو الشيعة فى العراق المحتل؟! هل حمت الدول الغربية المسيحيين فى فلسطين الذين تقتلهم قوات الاحتلال الإسرائيلى وتدمر كنائسهم؟!
إن مصر قد ناضلت على مدى عقود وقدمت آلاف الشهداء مسلمين وأقباطا من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية وبالتالى فإن دعوة ساويرس للغرب بالتدخل فى مصر إنما تهدر كل ما مات هؤلاء الشهداء من أجله، أدعو السيد ساويرس أن يقرأ قليلا عن تاريخ الكنيسة المصرية ليفخر كما أفخر كمصرى بمواقفها الوطنية العظيمة التى قدمت مصلحة مصر على أى اعتبار، أدعو ساويرس لقراءة تاريخ بطل وطنى من طراز رفيع هو القمص سرجيوس، أحد زعماء ثورة ١٩١٩ الذى خطب فى الأزهر وأعلن أن الأقباط يرفضون حماية الاحتلال البريطانى لهم ويطالبونه بالجلاء الفورى عن مصر.. الغريب أن السيد ساويرس دعا الدول الغربية إلى التدخل فى بلاده وطلب دعمهم السرى لكنه فى نفس الوقت عندما جاءت وزيرة الخارجية الأمريكية فى زيارة رسمية معلنة إلى الرئيس مرسى المنتخب فإن نجيب ساويرس رفض هذه الزيارة وأعلن أنها تعتبر تدخلا فى شؤون مصر.. من المتحول يا سيد ساويرس؟!
ثانياً: ما موقف نجيب ساويرس من الثورة ؟! هل كان يؤيدها أم يعارضها؟! شاهدت تسجيلات عديدة للسيد ساويرس فأصابتنى دهشة بالغة: السيد ساويرس ينتقل من الموقف إلى نقيضه بلا أدنى حرج .. قبل الثورة أعلن نجيب ساويرس مرارا وتكرارا أنه يحب حسنى مبارك ويؤيده ويعتبره بطلا قوميا.. وفى بداية الثورة، فى مداخلة على قناة المحور خرج ساويرس على الناس باكيا من فرط تعاطفه مع مبارك.. عندئذ قال له المذيع سيد على:
- يا أستاذ ساويرس دموعك غالية علينا. أنا عارف أن دموعك دى عشان مصر.
وفى لقاءات متوالية، أثناء الثورة، أكد ساويرس أنه لايريد لمبارك أن يرحل وأنه لم ينزل إلى ميدان التحرير بل نزل إلى ميدان مصطفى محمود حيث حمله مؤيدو مبارك على الأعناق وراح يهتف معهم من أجل بقاء مبارك.. هذا الموقف يتحول إلى نقيضه بعد نجاح الثورة فيؤكد ساويرس، فى لقاءات مسجلة أيضاً، أنه أيد الثورة منذ اليوم الأول وفرح بها فرحا شديدا ثم يبالغ فيقول (فى ندوة فى كندا) أن تأييده العارم للثورة جلب عليه غضب أفراد أسرته الذين خافوا عليه من عواقب شجاعته الثورية.. هذه المواقف المتناقضة لنجيب ساويرس مسجلة وموجودة وإذا سمح لى سأطبعها له على سيديهات وأرسلها إلى مكتبه ليطالع مواقفه على مهل ويعرف من هو ا

مقاله علاء الأسوانى فى جريدة المصرى اليوم
الدرس السابع
فى أعقاب الانتخابات البرلمانية المزورة وبسبب انتشار الفساد والبطالة والفقر، بالإضافة إلى القمع الوحشى الذى مارسته أجهزة الأمن ضد المواطنين.. اندلعت الثورة ضد حسنى مبارك فى يوم ٢٥ يناير عام ٢٠١١، واشترك فيها ملايين المصريين. قمعت أجهزة الأمن الثورة بوحشية فقتلت وأصابت آلاف المتظاهرين لكن الثورة استمرت لمدة ١٨ يوما حتى تخلى مبارك مجبرا عن الحكم وعهد بإدارة البلاد إلى المجلس العسكرى الذى اضطر تحت ضغط الشعب إلى القبض على مبارك ومحاكمته بطريقة صورية.. لكن المجلس العسكرى بدلا من أن يعمل على تحقيق أهداف الثورة حافظ على نظام مبارك الذى نفذ خطة محكمة للقضاء على الثورة بالوسائل التالية:
أولاً: إحداث انفلات أمنى فى كل أنحاء البلاد وسط لامبالاة كاملة من جهاز الشرطة والشرطة العسكرية مما تسبب فى ترويع المصريين.
ثانياً: التشويه المتعمد لسمعة الثوريين عن طريق الإعلام الفاسد.
ثالثاً: اصطناع أزمات معيشية متلاحقة مثل ارتفاع الأسعار ونقص المواد التموينية، مما زاد من معاناة المصريين وجعل كثيرين منهم يكرهون الثورة.
رابعاً: ارتكاب سلسلة من المذابح البشعة ضد الثوريين، حيث تم قتل المتظاهرين بالرصاص الحى وفقء عيونهم بالخرطوش وانتهاك أعراض البنات وسحلهن والتحرش بهن جنسيا.. كل ذلك بغرض كسر إرادة الثوار وإعادتهم إلى حالة الإذعان.
خامساً: تحالف المجلس العسكرى مع الإخوان المسلمين الذين تنكروا للثورة التى شاركوا فيها وصاروا بمثابة الذراع السياسية للعسكر وساعدوهم على إجراء تعديلات على الدستور القديم بدلا من كتابة دستور جديد للثورة.
تم تنفيذ المخطط على مدى ١٦ شهراً عانى المصريون خلالها بشدة ثم انهار التحالف بين الإخوان والعسكر، وبدأ الصراع بينهما مما دفع المجلس العسكرى إلى حل مجلس الشعب المنتخب، وتمت الدعوة إلى انتخابات رئاسية، وارتكب الثوريون خطأ جسيما فلم يتوحدوا حول مرشح واحد، مما أدى إلى سقوط مرشحى الثورة جميعاً وجرت الإعادة بين محمد مرسى مرشح الإخوان والفريق أحمد شفيق رئيس وزراء مبارك وتلميذه المخلص الذى لاحقته قضايا فساد عديدة قام المجلس العسكرى بحمايته منها.. أنفق فلول نظام مبارك ملايين الجنيهات لدعم شفيق وساندته أجهزة الدولة جميعا مثل الشرطة والوزارات وأمن الدولة والمخابرات. حدثت المفاجأة عندما أعلنت النتيجة فكان الفائز محمد مرسى. يفسر المؤرخون ما حدث بأن تغيير النتيجة لصالح شفيق كان مستحيلا لأن ملايين المصريين كانوا سيرفضون التزوير. كما أن مجموعة من القضاة المستقلين أعلنت النتيجة الصحيحة قبل إعلانها رسمياً. تقبل المجلس العسكرى فوز مرسى على مضض وأصدر إعلاناً دستورياً مكملاً سحب فيه سلطات كثيرة من رئيس الجمهورية حتى صار أقرب إلى سكرتير للمجلس العسكرى.. منذ اليوم الأول لتولى مرسى مهام الرئاسة بدأت حملة عنيفة من نظام مبارك لإسقاطه، شنت وسائل الإعلام حملة شعواء لتحقير الرئيس المنتخب وإشاعة ذعر بين الناس من مخططات سرية سيقوم بتنفيذها لصالح الإخوان، وفى نفس الوقت قام نظام مبارك المسيطر على أجهزة الدولة بمضاعفة الأزمات المعيشية والانفلات الأمنى.. وقد اشترك فى الحملة ضد الرئيس المنتخب الفئات التالية من المصريين:
١- فلول النظام القديم الذين يريدون إسقاطه ليفرضوا رئيساً موالياً لهم.
٢- بعض الأقباط الذين أصابهم الذعر من وجود رئيس إسلامى لدرجة جعلتهم يريدون التخلص منه حتى لو كان الثمن إجهاض الثورة وعودة النظام القديم.
٣- مجموعة من المثقفين الانتهازيين الذين كانوا يعملون فى خدمة مبارك فتحولوا لخدمة المجلس العسكرى طمعا فى المناصب والعطايا.
٤ - بعض الليبراليين واليساريين الذين لم يدركوا أن جوهر الصراع يدور بين رئيس منتخب وسلطة مستبدة ودفعتهم خصومتهم للإخوان إلى مساندة المجلس العسكرى ضد الرئيس المنتخب.
على أن الرئيس مرسى يتحمل القدر الأكبر من المسؤولية عن إخفاقه لسببين: أولاً لأنه لم يعمل على طمأنة الرأى العام بإجراءات واضحة تثبت أنه رئيس للمصريين جميعا وليس مندوبا للإخوان فى الرئاسة، وثانياً لأن الرئيس مرسى كان يستعمل اللين حين تلزم الشدة. لو أن الرئيس مرسى طالب بصلاحياته كاملة لسانده الشعب فى هذه المعركة الوطنية المشروعة. لكن الرئيس مرسى راح يتحاشى الصدام ويتردد ويناور ويتراجع واستمر فى توزيع تحياته ومجاملاته على جميع الأطراف حتى تمكن العسكر من إسقاطه بعد أقل من عام. تم إجبار الرئيس على تقديم استقالته بعد كتابة الدستور بواسطة لجنة خاضعة لتأثير المجلس العسكرى الذى دعا إلى انتخابات رئاسية قدم فيها العسكر مرشحاً جديداً هو اللواء عبدالظاهر شركس، القائد السابق لسلاح الإشارة.. اندفع النظام القديم بكل طاقته للترويج للواء عبدالظاهر فتم تأليف الأغانى فى تمجيد بطولاته وظهر على التليفزيون خبراء استراتيجيون ليؤكدوا أن اللواء عبدالظاهر شركس عبقرية عسكرية غير مسبوقة لدرجة أن تكتيكاته فى سلاح الإشارة يتم تدريسها فى الأكاديميات العسكرية العالمية.. كان المصريون قد صاروا فى حالة من التخبط والإحباط والإنهاك جعلتهم يستسلمون ويدعمون مرشح المجلس العسكرى أملا فى تحسن الأحوال، فاز اللواء عبدالظاهر فى انتخابات الرئاسة بفارق كبير عن مرشح اليسار حمدين صباحى ومرشح الإسلاميين محمد البلتاجى. وهكذا تم إجهاض الموجة الأولى من الثورة وعاد النظام القديم بكل قوته إلى الحكم. استعاد اللواء عبدالظاهر الأمن فى أيام قليلة ثم منح الموظفين علاوة استثنائية مما جعل المصريين يستبشرون خيراً، ولكن بعد أسابيع قليلة من تولى الرئيس عبدالظاهر لمنصبه شنت أجهزة الأمن حملة مروعة تم خلالها اعتقال آلاف الثوريين وإلقاؤهم فى السجون بتهم ملفقة. كما استمر الفساد ونهب موارد الدولة بطريقة أسوأ من أيام مبارك، وأغلق الرئيس عبدالظاهر الباب تماما أمام محاسبة النظام السابق، ولجأ إلى حيل قانونية مكنته من العفو الصحى عن مبارك وإطلاق سراح رموز نظامه الذين غادروا البلاد إلى أوروبا لينعموا بثرواتهم التى نهبوها من الشعب.. كل هذه الممارسات أثارت غضب المصريين وجعلتهم يتأكدون أن دماء الشهداء ستذهب هدرا إذا استمر عبدالظاهر فى الحكم .. بعد عامين من حكم عبدالظاهر اندلعت الموجة الثانية من الثورة بشكل أقوى مما كانت عليه الموجة الأولى، ووعى الثوار الدرس فتوحدوا جميعا (الإسلاميون والليبراليون) وشكلوا مجلسا لقيادة الثورة كان بإمكانه حشد ملايين المتظاهرين فى كل أنحاء البلاد، واستعمل المجلس العسكرى أعتى أساليب القمع فى مواجهة الموجة الثانية من الثورة فسقط مئات الشهداء، لكن الثوار أصروا هذه المرة على البقاء فى الشوارع حتى تنحية المجلس العسكرى الذى رضخ أخيرا ووافق على تسليم السلطة، وتم عقد اتفاق مكتوب وقّعه الثوار والعسكر وتسلمت الثورة المصرية بموجبه حكم مصر فى يوم ٤ أغسطس عام ٢٠١٥.. كان هذا تاريخ بداية الجمهورية الثانية، اندفع المصريون يعملون بحماس وجدية فتحقق ازدهار لم تشهده مصر من قبل.. تم محو أمية ثلاثين مليون مصرى فى أقل من عامين، وتم توجيه نداء إلى العلماء المصريين فى جامعات الغرب فعاد كثيرون منهم إلى الوطن وقاموا بدور عظيم فى النهضة.. صارت الدولة تقدم العلاج والتعليم مجاناً للفقراء وتوفر السكن والعمل للخريجين وارتقى مستوى التعليم حتى أصبحت الجامعات المصرية تضاهى أكبر جامعات العالم وحققت الصناعات المدنية تقدما مذهلا فأدرت الملايين على ميزانية الدولة كما برز اسم مصر كواحدة من أهم دول التصنيع العسكرى واشتهر المدفع الرشاش المصرى «فجر»، بالإضافة إلى الدبابة المصرية من طراز «أكتوبر» التى لا تقل كفاءتها عن الدبابات التى تنتجها الدول الكبرى، استعادت مصر قدرتها الزراعية بشكل لم تعرفه منذ أيام الرومان واكتفت ذاتي
مقالة علاء الأسواني فى جريدة المصرى اليوم : …هل نكرر خطأ السنهوري ..؟!..

يوليو 9th, 2012 كتبها علاء الأسوانى نشر في , مقالات,
…هل نكرر خطأ السنهوري ..؟!..
مقالة علاء الأسواني فى جريدة المصرى اليوم
10 يوليو 2012
الدكتور عبد الرزاق السنهوري ( 1895 ـ 1971 ) من أهم فقهاء القانون في تاريخ مصر والعالم العربي ، هو الذى وضع الدستور والقانون المدنى لبلاد عربية كثيرة منها ليبيا والعراق والسودان والكويت وسوريا والامارات العربية المتحدة . هذا الرجل العظيم ارتكب منذ ستين عاما خطأ جسيما لازلنا ندفع ثمنه حتى اليوم ،
… فقد اشتهر السنهوري بخصومته الشديدة للوفد حزب الأغلبية آنذاك . في عام 1952 قام الضباط الاحرار بانقلاب عسكري ( تحول فيما بعد الى ثورة عندما أيدها الشعب ) و أجبر الضباط الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه الامير الطفل احمد فؤاد مما استوجب تشكيل مجلس الوصاية وطبقا لدستور 1923 كان يتوجب على مجلس الوصاية أن يؤدي القسم أمام البرلمان ذى الاغلبية الوفدية . .
كان عبد الناصر في رأيي زعيما مخلصا عظيما لكنه أيضا أول من أسس للحكم العسكري في مصر ولأنه كان يدرك شعبية الوفد الطاغية ويخشاها فقد لجأ الى السنهوري الذى كان رئيسا لمجلس الدولة ليستشيره ،
كان السنهوري يكره الوفد لدرجة أعمته عن أى اعتبار آخر ولذلك فقد وجد مخرجا قانونيا تمكن به عبد الناصر من استبعاد الوفد ثم سرعان ما أصدر عبد الناصر قرارا بحل الاحزاب جميعا والغاء النظام النيابي نفسه..
عندئذ أدرك السنهوري خطأه : أنه عندما استبعد حزب الوفد ساهم بغير قصد في تقويض النظام الديمقراطي ذاته . حاول السنهوري استدراك الخطأ وراح يعارض عبد الناصر ويدافع عن الديمقراطية ويطالب بعودة الجيش الى الثكنات لكن وقت اصلاح الخطأ كان قد فات . فقد ضاق الضباط الأحرار بمعارضة السنهوري لهم فأرسلوا اليه متظاهرين مأجورين قاموا بالاعتداء عليه بالضرب المبرح في مكتبه ثم اتخذ مجلس قيادة الثورة قرارا بالغاء مجلس الدولة من أساسه ..
وقد أثرت هذه المعاملة المهينة في السنهوري وعاش حزينا حتى وفاته عام 1971 .. هذه الواقعة لها مغزى : ان خصومتنا السياسية مع أى حزب أو جماعة لايجب أبدا أن تعمينا عن الحقيقة . يجب أن ندافع عن مبادئنا حتى لو استفاد من تحقيقها ألد خصومنا السياسيين .
في مصر الآن صراع على أشده بين نظام مبارك الذى لازال مسيطرا على الدولة والدكتور محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب .
المشكلة أن هذا الرئيس ينتمى الى جماعة الاخوان المسلمين مما يجعل الكثيرين يناصبونه العداء قبل أن يفعل أى شيء ويعترضون على كلامه قبل أن ينطق … كنت ولازلت أعارض الاخوان المسلمين نظريا وعمليا . . نظريا لأنهم يؤمنون بالخلافة الاسلامية وأنا أعتبرها نظاما استبداديا فاشيا أدى الى سقوط مصر في قبضة الاحتلال العثماني كما أعارضهم لأنهم يعتقدون أن الاسلام دين ودولة بينما أعتقد أن الاسلام لم يقدم نظاما محددا للحكم وانما قدم مباديء عامة وترك للمسلمين اختيار النظام السياسي الذى يحققها ,
وعلى المستوي العملي أعارض سياسة الاخوان التى لاترى الفرق بين مصلحة الجماعة ومصلحة الوطن مما أوقعهم في مواقف انتهازية كثيرة تحالفوا فيها مع السلطة المستبدة ضد ارادة الشعب وأقرب مثال على ذلك تخلي الاخوان عن الثورة وتحالفهم مع المجلس العسكري الأمر الذى ضيع على مصر فرصة كتابة الدستور أولا وأوقعنا في هذا المأزق الذى نعيشه ..
ما السلفيون فأنا أعارضهم لأنهم يحملون القراءة الوهابية السعودية للاسلام المناقضة للقراءة المصرية المعتدلة كما أرفض تشدد بعض السلفيين وضيق أفقهم ومواقفهم المعادية للحريات وحقوق المرأة والفن والأدب ..
علاقتى مع الاخوان والسلفيين ، اذن ، لم تكن قط على مايرام بل ان بعض المنتسبين للتيار السلفى هاجموا عيادتي الخاصة مرتين وحاولوا الاعتداء على عقابا لي على آرائي فتقدمت ببلاغات ضدهم وأحيلوا الى المحاكمة والقضية لازالت منظورة .. هذه الخصومة العنيفة مع تيار الاسلام السياسي لا يجوز أبدا أن تمنعنى من تأييدهم اذا أصابوا أو من مساندتهم اذا خاضوا معركة مشروعة وطنية .
ان الصراع الآن بين طرفين : رئيس منتخب بارادة الشعب ومجلس عسكري يفرض ارادته علينا بقوة الدبابة . هذا الصراع يشكل جوهر الثورة المصرية التى قامت بالأساس من أجل انهاء الحكم العسكري واعادة السلطة الى الشعب صاحبها الشرعي .
ان شعارات الثورة العظيمة " عيش..حرية..عدالة اجتماعية " يستحيل أن تتحقق الا اذا استرد الشعب سيادته على بلاده . . ان الرئيس مرسي يواجه الآن نظام مبارك بكل قدراته وطاقاته . هذا النظام له مؤسسات رسمية معلنة وله تنظيم سري بمعنى الكلمة متغلغل في كل مفاصل الدولة المصرية .
هذا التنظيم السري ( الذى يسمى أحيانا بالدولة العميقة ) هو المحرك الرئيس للأحداث في مصر منذ سقوط مبارك . ان نظام مبارك يعمل وفقا للمعادلة الآتية :
" لقد ثار المصريون ضد أوضاع ظالمة فلو أنهم وجدوا أنفسهم في أوضاع أسوأ بكثير من التى ثاروا ضدها ، يمكن عندئذ اعادة النظام القديم في شكل جديد ". . هذه المعادلة تم تحقيقها بعشرات الوقائع التى دبرها نظام مبارك ، بدءا من القبطى الذى أذاعوا ان السلفيين قطعوا أذنه الى احراق الكنائس بواسطة بلطجية مأجورين بعد انسحاب أفراد الشرطة المدنية والعسكرية الى تشويه سمعة الثوريين بكل وسيلة الى اصطناع أزمات مستمرة في كل مواد المعيشة ..
مقالة علاء الاسوانى فى جريدة المصرى اليوم : …اثبت مكانك .!!..

يوليو 2nd, 2012 كتبها علاء الأسوانى نشر في , مقالات,
مقالة علاء الاسوانى فى جريدة المصرى اليوم
3 يوليو 2012
…اثبت مكانك .!!..
موجة من الحر الشديد اجتاحت مدينة تولوز بفرنسا على مدى يومين ثم هطلت الأمطار فلطفت الجو . أكتب هذا المقال من حجرتي في الفندق وأرى من النافذة الميدان الكبير حيث يتجول مئات الفرنسيين الذي…ن يحضرون فعاليات مهرجان " سباق الكلمات " وهو من أكبر مهرجانات الأدب في فرنسا .مدير المهرجان اوليفييه دارفور مثقف فرنسي كبير يرأس في نفس الوقت اذاعة فرنسا الثقافية وتساعده مجموعة عمل كلهم شباب فرنسيون ومعهم فتاة مصرية صارت معروفة هنا في فرنسا هي داليا حسن . قررت ادارة المهرجان هذا العام اختياري كضيف الشرف في هذه الدورة ، تم تكريمي على مدى أيام واشتركت في ندوات عديدة ثم خصصت لي أمسية قرأت خلالها الممثلة الفرنسية الشهيرة " أريان أسكاريد " مقاطع من أعمالي أمام الجمهور . بالاضافة الى سعادتي الشخصية بهذا التكريم فأنا فخور لأن كاتبا مصريا تم اختياره ضيفا للشرف وسط مجموعة من أهم الأدباء في العالم .
الفرنسيون يتابعون مايحدث في مصر باهتمام بالغ وهم يعتقدون أن مصر هي التى ستحدد شكل المستقبل في العالم العربي كله . وصول محمد مرسي الى الرئاسة أثار جدلا شديدا بين الفرنسيين : بعضهم يرون أن وصول الاسلاميين الى السلطة ( حتى لو كانوا منتخبين ) في اى بلد يشكل كارثة .
هؤلاء يعتقدون ان مصر برئاسة مرسي ستتحول الى ايران أخرى حيث يتم استبدال الديكتاتورية الدينية بالديكتاتورية العسكرية ويؤكدون أن الأقليات والمرأة والفنانين هم أكثر من سيدفع ثمن الدولة الدينية .
البعض الآخر ( وهم الأكثر تحررا ومعظمهم يساريون ) يرون أنه يجب احترام ارادة المصريين مهما تكن النتائج وأن مرسي رئيس منتخب ولابد من التعامل معه واعطاؤه فرصة قبل الحكم عليه كما أن دخول الاسلاميين الى النظام الديمقراطي سيدفعهم الى الاعتدال ويمنعهم من التطرف والعنف .
دافعت عن هذا الرأى الأخير وأكدت لهم أن وجود رئيس اسلامي لا يعنى بالضرورة اقامة دولة دينية و أن الاحزاب الاسلامية في النظام الديمقراطي ستكون أقرب الى الاحزاب اليمينية المسيحية في المانيا وسويسرا .
استمعت الى خطاب الرئيس مرسي في ميدان التحرير فأعجبني لأنه كان واضحا وصادقا وتفاءلت خيرا لكننى تابعت الاحتفال الذى حضره في جامعة القاهرة فانزعجت لأن الرئيس بدا وكأنه يتراجع عن مواقفه السابقة .
لقد وعد الرئيس باستعادة حقوق الشهداء وأوضح أنه لايقصد فقط الشهداء الذين سقطوا أثناء الثورة وانما يقصد أيضا شهداء المذابح التى حدثت تحت حكم المجلس العسكري مثل العباسية ومحمد محمود وماسبيرو ومجلس الوزراء وبورسعيد..
استعادة حقوق الشهداء لا تكون فقط بتعويضهم ماديا وانما باجراء محاكمات عادلة لمن تورطوا في قتلهم . هنا لايمكن اعفاء المجلس العسكري من مسئوليته السياسية عن كل هذه المذابح .
لذلك اندهشت عندما سمعت الرئيس مرسي يطالب بتكريم أعضاء المجلس العسكري تقديرا لادارتهم الحكيمة للمرحلة الانتقالية .
في ظل هذه الادارة الحكيمة تم قتل العشرات من شباب مصر بالرصاص ودهسهم بالمدرعات وتم فقء عيون العشرات بالخرطوش وسحلت البنات وهتكت أعراضهن وكل هذه الجرائم موثقة ومسجلة بالصوت والصورة .
كيف سيستعيد الرئيس مرسي حقوق الشهداء وهو ينادي بتكريم المسئولين سياسيا عن قتلهم ..؟!
لقد وقع الرئيس في تناقض عجيب .
هناك تراجع آخر : فقد أعلن الرئيس من قبل رفضه القاطع للاعلان الدستوري الذى يعطى صلاحيات الرئيس للعسكر ويفرغ الديمقراطية من مضمونها ويجعل رئيس الجمهورية أقرب الى سكرتير المشير طنطاوي ..
لكننا فوجئنا بالرئيس يؤدي القسم امام المحكمة الدستورية تماما كما يقضى الاعلان الدستوري الذى يرفضه ثم تكلم في جامعة القاهرة فلم يشر بحرف الى رفضه للاعلان الدستوري الذى قضى ملايين المصرين أياما عديدة معتصمين في الميادين من اجل اسقاطه..
لا يجب ان نتسرع في محاسبة الرئيس مرسي و لايجب ايضا ان نسكت ونحن نلاحظ انه بدأ بالفعل يتراجع عن مواقفه .
هناك مشكلة حقيقية في سلوك الاخوان المسلمين السياسي فهم لا يرون الفرق بين مصلحة الجماعة ومصلحة الوطن وبالتالي يسعون دوما الى تحقيق مصالحهم السياسية بغض النظر عن تأثير ذلك على الشعب والوطن وقد أدى ذلك المفهوم الى تورط الاخوان في التحالف مع كل حكام مصر بدون استثناء واحد بدءا من الملك فاروق وحتى المجلس العسكري ..

الجمعة، 13 يناير 2012

د / احمد زويل

شارك برايك يهمنا 
Feedback Feedback mhassanabo@gmail.com
maboeleneen@yahoo.com

(ثورة العرب القادمة1-3

أضف تعليقك تعليقات : 0
آخر تحديث: السبت 12 مارس 2011 - 10:32 ص بتوقيت القاهرة
 بعد نجاح ثورة 25 يناير فى فتح آفاق غير مسبوقة لتحقيق الديمقراطية فى مصر، وفى وقت ينشغل فيه الرأى العام المصرى ــ كما فى العالم العربى على اتساعه ــ بحلم الإصلاح والتقدم، فإن المهمة العاجلة لإصلاح منظومة التعليم، سواء فى مصر أو غيرها من الدول العربية، هى بالتأكيد جزء لا يتجزأ من تحقيق النهضة العربية المقبلة. العالم المصرى وحائز نوبل الدكتور أحمد زويل يطرح تحليلًا ورؤية متكاملة لما يراه «ثورة العرب القادمة»، مؤكدًا أن إصلاح التعليم على حيويته ليس بالمهمة المستحيلة كما أنه ليس بالمهمة التى تحتاج عقودا لإنجازها.
«الشروق» تنشر فى حلقات ثلاث قراءة زويل لحال التعليم وسبل إحيائه لتعود مصر ويعود معها العالم العربى فى مصاف الأمم الناهضة.

طالعت مؤخرا دراسة مهمة حول جغرافيا المعرفة والسكان فى عالمنا. وأثارت هذه الدراسة ــ التى نشرها جويل كوهين وديفيد بلوم تحت عنوان «توفير التعليم لكل الأطفال.. خطة عمل دولية» ــ إعجابى واهتمامى فى آن واحد.

وتقول الدراسة بأنه فى الوقت الذى لا يمكن أن يعجز العالم عن القيام بالمهمة الملحة المتعلقة بتوفير التعليم لكل أطفاله فإن الحقيقة الماثلة أمام أعين الجميع تقول بأن هناك نحو ثلاثمائة مليون من أطفال العالم سيظلون محرومين من حقهم فى التعليم مع حلول العام 2015.
التحدى الكبير

إن تمكين الأجيال القادمة من الحصول على تعليم يمكنهم من الإمساك بناصية المعارف الحديثة والمتطورة هو بالتأكيد تحدٍ كبير، حتى إذا ما تعلق الأمر بالدول المتقدمة.

ومنذ عام تقريبا أطلق الرئيس الأمريكى باراك أوباما مشروعا طموحا تحت عنوان «التعليم الهادف لتطوير القدرة على الابتكار». والهدف من هذا المشروع هو أن يتمكن الطلاب الامريكيون خلال العقد القادم من رفع قدراتهم فى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة وعلم الرياضيات وهو المنظومة المتكاملة التى يمكن من خلالها ضمان اتساع قدرة المبتكرين وتطويرها.

وفى إطار هذا المشروع يتم تخصيص 250 مليون دولار لإطلاق وتنفيذ مبادرة تدريب وإعادة تأهيل للمعلمين الامريكيين بحيث يتم إعداد عشرة آلاف من المعلمين الجدد للعلوم والرياضيات ويتم بالتوازى مع ذلك إعادة تدريب مائة ألف من المعلمين الذين يقومون بالفعل بتدريس هذه المواد للطلاب الأمريكيين.

إننى أعلم أن التعليم بمختلف مراحله ــ وهو ما يستحوذ على قرابة تريليون دولار من ميزانية الولايات المتحدة الامريكية ــ هو أولوية أولى لدى الحكومة الأمريكية.

أما بالنسبة للعالم العربى فإن تطوير التعليم هو أمر حاسم لضمان مستقبل افضل للشعوب العربية. إن فشل منظومة التعليم فى العالم العربى هو احد اهم أسباب غضب الشباب فى البلدان العربية ــ ذلك الغضب الذى أصبح جليا ولا يمكن الاستمرار فى محاولة تجاهله، خاصة أن تبعات هذا الفشل لها أبعاد ثقافية واقتصادية وسياسية واضحة.
جيل الفيس بوك

لقد أطلق جيل الفيس بوك شرارة انتفاضات متتالية من أجل تحقيق الديمقراطية فى تونس ومصر والبحرين واليمن وليبيا وغيرها من البلدان العربية.

إن التعامل مع أصل المشاكل التى نواجهها هو امر لا غنى عنه إذا ما كنا جادين فى حل هذه المشاكل وتجاوز آثارها.

وبالتأكيد فإن تطوير التعليم فى العالم العربى هو امر مفصلى بالنسبة لاستعادة النهضة العربية.

لقد أصبح من الحتمى أن نتحرك بخطوات أسرع نحو وضع التعليم وتطويره أولوية أولى على اجندات دول المنطقة العربية كلها.

ولا يمكن لشخص جاد أن ينكر أن النجاح والتقدم الذى حققته الولايات المتحدة الامريكية كما حققته دول أوروبية عديدة أو دول آخذة فى التقدم فى آسيا أو أمريكا اللاتينية لم يكن من الوارد تحقيقه وضمان استمراره بدون توفير مستوى جيد من التعليم لأبناء هذه الشعوب.

وبلغة اكثر مباشرة فإن هناك علاقة مباشرة لا يمكن اغفالها بين جودة التعليم ومستوى ارتقاء الشعوب.

وبالتأكيد فإن الحالة المصرية تمثل نموذجا جديرا بالتأمل فيما يخص العلاقة بين القوة الناجمة عن المعرفة وتأثير الحضارة العريقة، تلك الحضارة التى عاشت منذ ألفى عام أو يزيد على ضفاف المتوسط معتمدة على منارة مضيئة للعلم هى مكتبة الاسكندرية القديمة.
حضارات وعلماء

إن فكرة الحضارة فى ذاتها هى فكرة نابعة عن المعرفة.

وعلى ضفاف نهر النيل تمكنوا المصريون القدماء من تقديم مفاهيم جديدة فى علوم البناء والطب والفلك والكيمياء وكان لذلك تأثيره الأكيد على الحياة فى مصر القديمة وحضارتها العريقة كما وأن تأثيراته امتدت لحضارات أخرى مجاورة وتالية.

وإذا ما كان لى أن اتحدث عن مجال تخصصى العلمى على وجه التحديد فلابد أن اذكر أن القدماء المصريين كانوا هم من تمكن منذ أكثر من ستة آلاف عام من تعريف الزمن وادخال التقويم الزمنى المعتمد ولأول مرة على حركة الأرض حول الشمس.

ومؤخرا تمكن علماء فرنسيون من تقديم اكتشاف جديد ومذهل حيث أكدوا أن أبحاثهم تشير إلى أن مستحضرات التجميل المستخدمة فى عصر نفرتيتى كانت تحتوى على مواد طبيعية يتم تركيبها بغرض الحفاظ على صحة العيون وشفائها من الالتهابات والامراض المعدية.

وما زالت هذه الحضارة

القديمة للمصريين تقدم للغرب المتقدم اليوم الكثير والكثير من المعلومات والاكتشافات العلمية المثيرة للاهتمام.

ومنذ بداية الألفية سجلت الحضارة العربية الكثير من الإنجازات العلمية.

العام الماضى نشرت كتابا بالاشتراك مع سير جون توماس، من جامعة كمبريدج، حول الرؤية رباعية الأبعاد للميكروسكوب.

وفى هذا الكتاب أشرت للإسهامات المهمة فى مجال الرؤية والبصريات للعالم العربى الحسن بن الهيثم الذى عاش فى الفترة ما بين 965 و1040، متنقلا بين العراق ومصر. لقد طور ابن الهيثم نظريات، حول الإبصار والتقاط شبكية العين للصورة الواقعة تحت الضوء، استفاد منها علماء أمثال نيوتن، وفنانون أمثال دافنشى بل إن الاستفادة من هذه النظريات امتدت لتدخل فى أعمال مصورين فوتوغرافيين فى العصر الحديث.

وكانت تجربة ابن الهيثم المعروفة باسم «الحجرة المظلمة» هى الاساس الذى بنى عليه فيما بعد فن التصوير الفوتوغرافى حيث تعتمد هذه التجربة التى بينت أن الضوء له مسار مستقيم وعليه تتكون الصورة لأى مجسم عندما يمر الضوء خلال ثقب صندوق مظلم وبذلك أدخل ابن الهيثم فكرة الكاميرا الفوتوغرافية.

إن الاعمال التى قدمها ابن الهيثم وابن رشد، ذلك الفيلسوف الملم بالكثير من العلوم، وابن سينا، أبرز أطباء عصره على الاطلاق، والخوارزمى، عالم الرياضيات الذى استحدث مفاهيم جديدة فى علم الرياضيات ارتبطت باسمه، وغيرهم من علماء عصر النهضة العربية منذ قرون، تمكنوا من أن يجعلوا من عالمهم وعواصمهم فى بغداد والقاهرة وقرطبة منارات للعلم والمعرفة.
نهضة محمد على

وفى العصر الحديث ارتبط اسم مصر ايضا بمشاريع طموحة لتحقيق نهضة فى التعليم والثقافة والصناعة، وبالتأكيد فإن الرؤية التى تبناها محمد على لتحديث مصر كان لها دور مهم فى هذا الصدد.

لقد تمكن محمد على من تحويل مصر إلى مركز إقليمى للنهضة الاقتصادية والعسكرية معتمدا فى ذلك على تطوير وتحديث المجتمع المصرى ومستعينا بإرسال بعثات من الطلاب المصريين لتلقى العلم والمعرفة فى أوروبا.

وفى عصر محمد على تمكن رفاعة الطهطاوى ورفاق له، كانوا قد تلقوا العلم فى الغرب، من الاسهام فى تحقيق نهضة تعليمية واسعة فى مصر مستعينين فى ذلك بما ترجموه عن الفرنسية من روافد مختلفة للعلم والمعرفة.

وكان من شأن هذه النهضة التقدم بمصر إلى الصفوف الاولى الممسكة بمقاليد العلوم والآداب والثقافة.

وفى تلك السنوات ظهرت شخصيات مصرية رفيعة كان لها بصماتها فى مختلف المجالات الادبية والعلمية والفنية مثل طه حسين ونجيب محفوظ وعلى مصطفى مشرفة وأم كلثوم وعبدالوهاب وفاتن حمامة.

ومازالت الاسهامات المهمة لهؤلاء الادباء والفنانين والعلماء تمد الاجيال التالية بالإلهام عبر دول المنطقة.
ريادة مصر

ولا يمكن أن نغفل انه منذ قرن واحد فقط كان لمصر ريادة فى الحوكمة الرشيدة، كما أن مصر تمكنت فى الوقت نفسه من بناء مؤسسات تعليمية وعلمية رفيعة مثل جامعة القاهرة ومؤسسات مالية مهمة مثل البنك الأهلى ومؤسسات إعلامية مثل الاهرام الصحفية إلى غير ذلك من مؤسسات التصنيع بما فى ذلك صناعات النسيج وصناعة السينما.

وفى ذلك الوقت وبتلك الإمكانات كان لمصر القدرة على أن تكون المنهل العلمى لشخصيات بارزة ورائدة فى عالمنا العربى من بينهم على سبيل المثال المفكر الفلسطينى إدوارد سعيد وعالم الرياضيات اللبنانى الاشهر مايكل عطية، وبالنسبة لى على المستوى الشخصى فإن الدكتور شاكر الفحام والد زوجتى هو رجل تعليم وآداب تولى رئاسة مجمع اللغة العربية فى سوريا وقد نهل هو الآخر من الثقافة المصرية.

بل إن قدرة مصر على توفير تعليم جيد لأبنائها استمرت حتى عقد الستينيات من القرن الماضى ــ أى بعد عقد واحد من ثورة يوليو ــ حيث تمكن ابناء جيلى من طلاب الجامعات المصرية من الحصول على تعليم لائق فى وقت كانت فيه الاجواء الثقافية مفعمة بالثراء والتنوع وكانت فيه أحلام النهضة الوطنية احلام كبرى يلتف حولها الجميع مثل بناء السد العالى وانشاء محطات للطاقة النووية بل والـتأهب للوقوف على مشارف غزو الفضاء.
العرب اليوم

وعندما يتفكر المرء فى هذه الخلفية الطويلة وعندما يكون الإنسان مدركا فى نفس الوقت أن منابع الطاقة البشرية لم تنضب فإن السؤال الذى لا بد له من أن يطرح نفسه هو: ما الذى حل بمستويات التعليم والبحث العلمى فى عالمنا العربى الراهن؟

إن اسهامات العالم العربى الجماعية فى مجالات البحث العلمى والاختراعات تكاد تكون غير موجودة أو ملحوظة.

إن من يقارن ما تستثمره الدول العربية فى مجالات البحث العلمى والتنمية العلمية والنظر فى النسبة المخصصة من إجمالى الناتج القومى فى مجالات التعليم والبحث وبين النموذجين الايرانى والتركى سيخلص بكل تأكيد أن ما تنفقه إيران أو تركيا على التعليم والبحث العلمى يفوق الميزانية المخصصة لنفس الغرض عن نظيراتها فى العالم العربى.
تركيا وإيران
فى عام 2009 أصدرت تركيا 22 ألف مؤلف علمى مقارنة بخمسة آلاف منشور علمى فى عام 2000، أما بالنسبة لإيران فارتفع عدد الاصدارات العلمية من 1300 فى عام 2000 إلى 15 ألفا فى عام 2009 ــ وفى ذلك بلا شك ما يعبر عن طفرة كبيرة.

وبحسب تقارير موثوقة صدرت مؤخرا فإن كلا من مصر والسعودية لم تنتج فى الفترة نفسها أكثر من 2000 من المطبوعات دون تحقيق زيادة تذكر هنا أو هناك.

ولم تتمكن أى من الجامعات العربية أن تضمن وجود اسمها على قائمة اهم 500 مؤسسة تعليمية فى العالم بصورة منتظمة ــ أحدى هذه القوائم تضمنت فى عام 2010 جامعة الإسكندرية.

ويقدر إبراهيم المعلم نائب رئيس اتحاد الناشرين الدوليين أن حصة العالم العربى من اجمالى المبيعات العالمية للكتب لا يتجاوز الواحد بالمائة، وتحصل مصر على 4.. من هذه النسبة.

بينما يشير إلى أن نسبة الكتب العلمية لا تتجاوز نحو ثلاثة إلى خمسة بالمائة من هذه النسبة المتواضعة.

إن المدخلات التى يحققها البحث والتنمية فى إجمالى الناتج القومى لمصر تبقى شبه معدومة ومازالت مصر التى وصفها هيرودوت يوما بأنها هبة النيل تعتمد أساسيا فى دخلها القومى على هبات مصر مثل قناة السويس والسياحة وموارد طبيعية مثل الغاز والبترول.

فى الوقت نفسه فإن إسرائيل التى ليس لها من الطاقة البشرية سوى أقل من عشر ما تتمتع به مصر تحظى باقتصاد قوامه الرئيسى الصناعات التكنولوجية ويمكن القول إن نحو 90 بالمائة من الناتج القومى الاجمالى لها هو من موارد الصناعة والخدمات.

وإذا ما نظرنا إلى مستويات وسبل الانفاق الحكومى فى بلد عربى مثل مصر فإننا لا نجد الكثير من اسباب التفاؤل لو استمر الحال على ما هو عليه.

يقول الدكتور الشهير محمد غنيم فى تقرير أخير اعده، مستعينا بمعلومات واردة فى تقرير حديث للأمم المتحدة عن التنمية البشرية فى العالم العربى، إن إجمالى ما تنفقه الحكومة المصرية على التعليم سنويا لا يتجاوز 24 بليون جنيه، أى أقل من 5 بلايين دولار. وهذا الرقم لا يتجاوز 2.4 من الناتج القومى لمصر.

وبعملية حسابية بسيطة فإن النظر إلى هذا الرقم يعنى أن متوسط انفاق الحكومة المصرية على كل طالب لا يتجاوز فى العام الواحد 250 دولارا فى العام.

وبالمقارنة فإن إسرائيل تنفق ستة أضعاف هذا المبلغ حيث يحصل الطالب الاسرائيلى فى العام من انفاق حكومته على نحو 1500 دولار أو اكثر.
مصر والعالم

فى الوقت نفسه فإن أيا من طلاب الجامعات المصرية ــ الذين يبلغ عددهم نحو 2.2 مليون طالب ــ لا يحصل من الانفاق الحكومى على تعليمه أكثر من 500 دولار فى العام بينما تتكلف النفقات السنوية لتعليم قرينه من الطلاب المصريين فى بعض الجامعات الخاصة نحو 10 آلاف دولار إلى 15 ألف دولار سنويا.

هذه إذن حقيقة الوضعية المأساوية للتعليم فى مصر التى تدفع بأولياء أمور هؤلاء الطلاب لأن ينفقوا ما بين 10 بلايين إلى 15 بليون جنيه فى العام الواحد على الدروس الخصوصية سعيا وراء تحسين فرص أبنائهم فى تحصيل العلم وبالتالى تحقيق النجاح.

وإلى جانب ذلك فإن البنية التحتية للمدارس الحكومية فى مصر لا ترقى بحال من الاحوال لمستوى نظيرتها فى بلد صغير التعداد مثل فنلندا أو بلد له تقريبا نفس التعداد مثل كوريا الجنوبية، ذلك فى الوقت الذى يزيد فيه عدد التلاميذ فى المتوسط فى الفصل المدرسى بالمدارس الحكومية عن الـ60 مما يكاد يستحيل معه على المدرس أن يحقق التواصل اللازم مع التلاميذ لضمان نجاح او كفاءة العملية التعليمية.

أما بالنسبة لقاعات الدرس بالجامعات المصرية فهى دائما مكتظة بمئات أو ألوف من الطلاب.

وسواء تعلق الأمر بالتعليم فى المدارس او فى الجامعات فإن المنهج المتبع هو منهج التلقى المباشر دون تنمية قدرات التحليل او النقد وفى ظل تغييب شبه كامل لنظريات ومناهج التعليم الحديثة التى استفاد منها العالم المتقدم بأسره.

أما المناهج التعليمية ــ سواء فى المدارس أو الجامعات ــ فهى لا ترقى أبدا للمستوى المطلوب لتخريج كوادر بشرية قادرة على التنافس على المستوى العالمى فى عصر الفضاء وزمن ثورة المعلومات.

إلى جانب ذلك فإن الوضع الاقتصادى للمدرسين فى مصر يدعو للأسف وذلك بالرغم من محاولات بذلت أخيرا لرفع دخل المعلم المصرى وهو ما يدفع بالكثيرين للبحث عن تقديم خدمات الدروس الخصوصية لتلاميذهم كوسيلة من وسائل تحقيق دخل إضافى.

وللحديث بقية

مصر الأمل.. ثلاثية الرؤية

أضف تعليقك تعليقات : 0
آخر تحديث: الأحد 15 مايو 2011 - 9:13 ص بتوقيت القاهرة
 جاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير، لترفع الستار عن وجود قوة مؤثرة من الشباب المصرى، له من المبادئ والآمال والقدرة على الفعل والتغيير بصورة لم يكن يتوقعها الغالبية فى مصر أو فى العالم الغربى.

قبيل مغادرتى القاهرة بعد أيام من تنحى السيد حسنى مبارك عن حكم مصر، فى الحادى عشر من فبراير، التقيت إسراء، فتاة مصرية من قيادات الثورة، وسألتها عن الهدف الذى كان لدى الشباب عندما أطلقوا ثورتهم فى ميدان التحرير، ومختلف أرجاء ومحافظات مصر، فأجابتنى أن الهدف كان «تغيير النظام».

ولقد تمكن الشعب المصرى من خلال الثورة وفى 18 يوما، أن يُسقط رأس النظام، وينهى 30 عاما من حكم فردى وشمولى.

وبنظرة موضوعية، يجد المرء نفسه أمام عملية تحول ديمقراطى تشمل إنهاء آثار الحكم السابق وإظهار معالمه، خاصة الفساد الذى كان متفشيًا فى أرجاء وأعماق الوطن، والتحرك نحو حقبة جديدة من تاريخ مصر.

وبالفعل، فإن التحولات التى شهدتها مصر خلال الشهور الثلاثة الماضية، تعد تحولات كبرى، خاصة إذا ما قارناها بالشهور الثلاثة ــ أى نفس المدة ــ التى سبقت بدء ثورة الخامس والعشرين من يناير.
الثورة النموذجية

ومن أهم ما يميز الثورة المصرية عن غيرها من الثورات العربية التى يتعرض أبناؤها لإراقة دمائهم من أقبلة الأنظمة فى ليبيا واليمن وغيرهما، أن هذه الثورة مثلت وحدة رائعة بين أبناء الشعب المصرى وبين الشعب وقواته المسلحة.

فى الوقت نفسه، فإننا عندما نتابع تفاصيل الفساد الذى عاش به النظام السابق، والذى كشف عنه مع سقوط رأسه، لابد لنا وأن نشعر بأن مصر كانت محروسة بالفعل، كونها لم تتعرض لعملية إفلاس كاملة بالرغم من كل هذا الفساد.

والرائع واللافت للنظر فعلا هى قدرة الشعب المصرى على التخلص من قيود خوف كبلته لعقود، فكسرها، وتجاوز سنوات من القهر والظلام تعرض لها.

ولهذا كله، فإن الثورة المصرية تمثل نموذجًا فريدًا لتحقيق التغيير فى منطقة الشرق الأوسط. ومن ينظر فى الشأن المصرى، سيدرك على الفور أنه، وبالرغم من اختلاف عقائد أبناء هذا الشعب، وهو الاختلاف الذى يمكن أن ينجم عنه فى بعض الأحيان بعض التوترات أو المشاحنات، فإن الشعب المصرى يبقى فى نهاية الأمر شعبا موحدا، غير قابل للانقسام على أى أساس قبلى أو الوقوع فى فتن طائفية بالمعنى الكامل للكلمة.

فالشعب المصرى يجمعه تاريخ مشترك وميراث ثقافى عريق يبقيه دوما موحدا فى إطار الحضارة المصرية «أم الدنيا».

وفى هذا يختلف النموذج المصرى عن البلدان الأخرى التى بها من التمايز القبلى والثقافى ما يمكن أن يفتح الباب أمام سيناريوهات للفوضى، بل ربما الحروب الأهلية، وهو ما يعنى أن منطقة الشرق الأوسط بأسرها يمكن أن تقع فى براثن النزاعات والتعصب، وهو أيضا ما سيدفع بالمنطقة نحو الخلف بدلا من الأمام.

ولذلك، فمن الضرورى أن تنجح الثورة المصرية فى تتويج أهدافها لتكون نموذجا قابلا للاستلهام فى حالات أخرى. والثورة المصرية فى رأيى حالة مركزية ومهمة لأن مصر التى يبلغ الآن تعداد سكانها الـ 85 مليون نسمة هى أكبر الدول فى منطقة الشرق الأوسط، كما أنها مركز ثقل العالم العربى لدورها المحورى فى السياسة والثقافة والمعرفة، وأيضا للمكانة التاريخية للأزهر الشريف.

إن القوة الفكرية الهائلة والكامنة فى الشعب المصرى ما زالت قادرة على إعادة مصر لهذا الدور الريادى حتى بعد التراجع الملموس فى العقود السابقة.

وعلى المستوى العالمى فإن نجاح التجربة المصرية هو أمر أساسى لضمان الاستقرار الذى من شأنه الحفاظ على أمن الإقليم وإرساء الديمقراطية وأيضا تدفقات النفط والغاز من منطقة الشرق الأوسط لضمان إمدادات الطاقة فى العالم أجمع. والغرب يجب أن يقدم الدعم لهذه الثورات الشعبية فى العالم العربى، والتى تهدف بالأساس لتحقيق الديمقراطية، ذلك الهدف الذى لم يتمكن من تحقيقه بالحرب على العراق فى 2003 رغم تكلفة بلغت تريليونات الدولارات.

الديمقراطية والفوضى
ومع كل ما حققته الثورة المصرية من إنجازات، ومع كل ما تميزت به، بل وكل ما كشفت عنه من تحضر للشعب المصرى فإن هناك أمورًا توالت بعد انتهاء الثورة لا تتفق حسبما أراها مع قواعد الديمقراطية المتعارف عليها ولا مع قواعد الوطنية المصرية للثورات السابقة.

ومن ذلك التباين الكبير بين التألق الرائع للوحدة الوطنية التى عاشتها مصر أياما متتالية فى ثورتها التى تجسدت فى ميدان التحرير، حيث تداعت أى حواجز زائفة بين مسلمى الوطن وأقباطه، وأن نعود بعد أسابيع قليلة من انتهاء الثورة لنطالع أنباء مؤسفة ومؤلمة عن تشاحنات بين مسلمين وأقباط أو مسلمين بعضهم وبعض.

ولا يمكن بمنطق الثورة السلمية والشريفة أن يفسر المرء ما حدث من قطع الطرق ووقف القطارات ويصل الحد لإحراق بيوت العبادة ورفع أعلام لدول أجنبية على أرض الكنانة.

من المفهوم أنه بعد أى ثورة توجد فئات ومجموعات لديها أهداف ومصالح تسعى لتحقيقها من خلال عمليات شحن عشوائى لمشاعر البعض، ولكن هؤلاء سيكونون فى النهاية، وعندما تقام الدولة الديمقراطية بكامل أركانها، الخاسرين، لأن الغلبة ستكون للشعب المصرى القادر دوما على أن يظهر معدنه الحقيقى فى ظل كل الصعوبات، ولأن الغالبية العظمى من الشعب المصرى لا تريد الانجراف وراء التشاحن والفوضى، وإنما تسعى لبناء دولة ديمقراطية حديثة.

بناء المستقبل
والسؤال إذن هو، ماذا ينبغى أن نفعل فى هذه المرحلة؟ ومن منطلق خبرتى فى الدعوة والحث على تحقيق التغيير عبر عقدين من الزمن، ولأننى كنت طرفا مفاوضا أثناء الثورة المصرية، سواء من خلال التخاطب مع شباب الثورة أو مع الحكومة المصرية فى حينه، فإننى أعلم يقينا أن أهم ما يسعى إليه الشباب فى مصر هو مستقبل جديد، مستقبل يقدم لهم حياة تختلف عن تلك التى عاشوها فى ظل النظام القديم ومستقبل لتحقيق الإنتاج والتقدم، الذى يليق بمكانة مصر على المستويين العربى والعالمى.

مستقبل مصر الواعد يتطلب بالضرورة استقرار الوحدة الوطنية ليسعى الشعب متكاتفا لتحقيق أهداف ثلاثة أراها حتمية لبناء الدولة الديمقراطية، اقتصاديا وسياسيا. وعليه فإن ثلاثية الرؤية تتمثل فى:

 «البعد السياسى» والذى أساسه يكون بناء الهيكل الحقيقى لنظام الحكم الديمقراطى الرشيد بما فى ذلك عدالة تطبيق القانون، ضبط أمن البلاد والانتقال إلى الشرعية الدستورية لحكم مستقر مبنى على مبادئ الثورة.

 «البعد الاقتصادى» والذى يتطلب فى المدى القريب التحرك السريع نحو عودة الإنتاج إلى ما كان عليه مع إصلاحات فى المؤسسات الاقتصادية، وفى نفس الوقت فلابد من وضع رؤية شاملة لرفع الإنتاج المصرى والدخل القومى، وإصلاح الوضع المؤسوى لمحدودى الدخل.

«البعد القومى للنهضة» ولهذا البعد رؤية خاصة حيث فيه يلتحم الشعب مع الحكومة فى تبنى «مشاريع أحلام الوطن» والتى عن طريقهم يتم بناء جيل المستقبل ودفع مصر إلى مكانة العالم الأول، وتحديث العالم العربى ككل.

وهناك بعد رابع، بالمقارنة مع علوم الكون الطبيعية، هذا البعد يحدد ديناميكية العلاقة بين الجيش والحكومة من طرف والشعب من طرف آخر، وعليه فإن هذه الديناميكية لابد وأن تحدد بوضوح مسار التغيير الجديد والمدد الزمنية لاستكمال المسيرة، وذلك عن طريق حوار دائم وبناء.

وأعتقد جازما أن السعى نحو أى من هذه الأهداف الثلاثة، يتطلب أولا وقبل كل شىء، تحقيق الاستقرار الأمنى فى أسرع وقت، والذى ينبغى أن ينعم به أبناء الشعب المصرى، على أن يكون ذلك فى إطار مؤسسى لشرطة ما بعد الثورة، يباعد بين ما عرفه النظام السابق من آليات لتحقيق الأمن، ويعمل على احترام حقوق المواطن فى الوقت ذاته، فإن الإصلاحات السياسية الحقيقية ــ وليست تلك التى تكون مستمدة بشكل أو آخر من النظام السابق ــ ينبغى أن تكون سريعة، وأن تكون هادفة لتكوين المؤسسات الجديدة للدولة فى جميع القطاعات، وهو ما يتطلب بالضرورة أن يكون هناك تطبيق قاطع للقانون على كل المواطنين دون أدنى استثناء.

المأزق الاقتصادى.. والإنتاج
أما الإصلاحات الاقتصادية، والتى أراها هى حجر الزاوية للبناء والتقدم، فتلك هى التحدى الأصعب الذى يواجه مصر حاليا، كما سيواجهها فى المستقبل القريب، وذلك لأسباب عدة، أهمها أن السعى المصرى نحو بناء اقتصاد قوى يأتى بعد عقود من حكم السيد مبارك ودائرته المقربة، حيث تم استنزاف الكثير من الموارد المصرية.

إلى جانب ذلك، فإن الثقة فى مناخ الاستثمار فى مصر ليست عالية أبدا، وحركة السياحة ليست فى أحسن أحوالها، كما أن دعم المصريين فى الخارج، الذين لهم الكثير من القدرة على تقديم الدعم المادى والمهنى لمصر ما بعد الثورة، قد يتأثر بدرجة كبيرة، ربما بسبب عدم الارتياح إزاء بعض ما جاء فى التعديلات الدستورية، بالإضافة إلى أن أصحاب الأعمال المصريين، سواء كانوا من أصحاب الأعمال الصغيرة أو الكبيرة، يعانون تحديات لا يستهان بها.

لكن مع كل تلك الصعوبات، فإن بناء اقتصاد مصرى قوى ليس بالأمر المستحيل. إن استعادة التركيز على القضايا الجوهرية، والابتعاد عن الانخراط فى الأمور التى ليس لها جدوى تذكر، واسترجاع التسامح والتصالح الوطنى، وشعور الثقة فى الوطن وبين أبنائه يمكن بالتأكيد أن يدفع بالشعب المصرى نحو نهضة اقتصادية جديدة.

ولذلك ليس أمامنا من اليوم غير العمل والعمل الجاد من أجل الإنتاج. فالوقت لم يعد يسمح بإطلاق بعض الشعارات والتصريحات والاكتفاء بذلك.

إن تحقيق النمو الاقتصادى يتطلب أن يكون هناك استقرار فى معدلات النمو على المستوى المنظور، ليتم العمل على الأمد الطويل لرفعها بما يتناسب مع أهداف تحقيق التنمية والإنتاج المناسب لمصر، ورفع الإنتاج ينبغى أن يكون الشغل الشاغل لكل المجتمع المصرى، حيث لا يمكن لنا أن نقبل بأن يبقى الاقتصاد فى مصر ما بعد الثورة معتمدًا على عوائد قناة السويس والسياحة فقط.
الثروة البشرية
إن مصر ليس لها الكثير من الموارد الطبيعية، كما أن المساحة المزروعة من أرضها ليست بالمساحة الكبيرة، أقل من 10٪، ولكن مكمن الثروة المصرية الحقيقية هو أبناؤها. فمصر تتمتع بثروة بشرية هائلة إذا ما أحسن استغلالها من خلال العمل المنتج، ومن خلال مشاريع قومية يلتف حولها أبناء الشعب المصرى يمكن لها أن تحقق الكثير، خاصة إذا ما توازى ذلك مع مشروع نهضوى كبير لتحقيق طفرة فى مستوى التعليم والبحث العلمى، وبالتالى فى قدرات الثروة البشرية المصرية.

إن ما يطلق عليهم فى مصر الآن «شباب الفيس بوك»، يعلمون أن مصر كان لديها يوما مستوى من التقدم فى مجالات التعليم والبحث العلمى تفوق التى كانت لدى دولة مثل كوريا الجنوبية، والتى أصبحت الآن من أهم اقتصاديات العالم. كما أنهم يعلمون أنه خلال العقود الثلاثة، التى أمضاها السيد مبارك فى قصر الرئاسة تراجعت الأمور فى مصر بدرجة كبيرة، بينما تقدمت بلدان أخرى، وحققت طفرات.

فاستطاعت الصين أن ترفع حياة الملايين من مواطنيها من حال الفقر، كما استطاعت فى الوقت نفسه، أن ترسل روادا إلى الفضاء الخارجى، وأن تبنى مدنا عملاقة (Megacities)، وأن تصنع قطارات فائقة السرعة، وترفع مستوى التعليم بين طلاب المدن الصينية إلى المستويات الدولية. وبالتالى، فإن هؤلاء الشباب فى مصر يتساءلون: لماذا لم تحقق مصر ذلك، ولماذا لا تتحرك هى الأخرى نحو تحقيق مثل هذه الطفرات فى التعليم والتنمية؟

وبالطبع، فإن تحقيق مثل هذا النمو هو الهدف الذى ينبغى أن تسعى إليه مصر، مع الأخذ فى الاعتبار أن ذلك السعى سيستغرق بعض الوقت قبل أن يصل إلى مبتغاه. ولأن الأمر سيستغرق شيئًا من الوقت، ويحتاج الكثير من العزيمة، فإن الأولوية الآن تحتاج لإشعال شمعة للأمل، لأن هذه الشمعة هى التى ستضئ الطريق نحو مستقبل أفضل.

الفرصة التاريخية.. المشروع القومى
إننى أنظر إلى مصر فأرى فرصة تاريخية لاستعادة هذا البلد لمكانة يستحقها بجدارة، كما أننى أرى الشعب المصرى القادر بالعزيمة والإيمان بحق بلاده فى التطور أن يحقق الهدف المبتغى من خلال عمل هو بالضرورة بسواعد المصريين أنفسهم.

وفى هذا الشأن، فإننى أقترح بناء مشروع مصر القومى للنهضة العلمية فى أسرع وقت، والذى عملت من أجله فى الـ12 عامًا الأخيرة مع النظام السابق وبدون جدوى لأسباب يعلمها الجميع ولا داعى هنا للعودة للماضى للحديث عنها.

إن هذا المشروع النهضوى والغير القابل للربح، يرتكز بدوره على ثلاثية مهمة، وهى:

«التعليم العصرى» وذلك لنشر المعرفة والعلوم الحديثة.


«المراكز المتميزة» وذلك للنهوض بالبحث العلمى والمشاركة العالمية.

 «التكنولوجيا الإنتاجية» وذلك لبناء القاعدة الإنتاجية والمعتمدة على تكنولوجيا العصر.

هذا المشروع فى عصر العلم هو العمود الفقرى للتقدم وأيضا لبث فكر مجتمعى جديد.

وكما قلت سابقا، فإنه لا يمكن لهذا المشروع أن يرى النور بدون الإرادة الوطنية، وتحقيق الهيكل الأكاديمى والقانونى الخاص بالعمل فى مشروع كهذا، بحرية وشفافية، مع إيجاد التمويل اللازم من قبل الحكومة والشعب المصرى.
صندوق «اقرأ»
وفى أولى كلمات القرآن التى
أوحيت للنبى محمد، تكمن الحكمة: «اقرأ». وإذا ما أردنا تطبيق هذه الحكمة على حال مصر الآن، فإن ما نسعى إليه بالتأكيد هو تحقيق طفرة فى اقتناء المعرفة وتطبيقها لصالح البلاد.
وفى مبادرة جديدة، اقترحت إنشاء صندوق للشراكة القومية والدولية، يمكن أن يسمى «صندوق اقرأ» ــ بين المؤسسات الخاصة والحكومية ــ لدعم المشروع، ولكن لابد أن نعلم جميعا أن مثل هذا المشروع لا يمكن تحقيقه بالاعتماد على غير المصريين، وإن كنت أثق أنه عندما يصبح نجاح هذا المشروع واضحًا، فإنه سوف يجتذب الشراكة العالمية الفعالة والنافعة.
وفى اختيار كلمة «اقرأ» عنوانا للصندوق الذى أقترحه، فإننى أيضًا أطرح معنى عالميا، حيث أردت لها أن تكون المرادف العربى للكلمة الإنجليزية «READ» والتى هى اختصار لـ «Renaissance in Education And Development».
وينبغى أن يكون عمل هذا الصندوق بعيدا عن كل أغراض السياسة، وأن يتم تحت إدارة مجلس أمناء من الشخصيات البارزة المصرية والعربية والدولية، على أن يكون الهدف الرئيسى أمام هذا الصندوق هو رفع المستوى التعليمى والفكرى بما يؤدى إلى بناء استراتيجية واعدة لتحقيق نمو اقتصادى واسع، وإعادة صياغة البنية التحتية فى مصر، وفتح الآفاق أمام نهضة صناعية وثقافية تعود بنا إلى نهضة محمد على، ولكن فى سياق القرن الواحد والعشرين. إن الأمية ستبقى دوما عائقا قاسيا أمام تحقيق التنمية أو إرساء الديمقراطية، لهذا فإننى أقترح أن نسعى أيضا للعمل على محو كامل للأمية، وبناء مدارس علمية للموهوبين، وبناء مراكز تطبيقية لأغراض البنية الأساسية.
الإرادة والدعم
وفى البداية، فإن إطلاق هذا المشروع يحتاج إلى مليار دولار، كما يجب أن يتم فى الوقت نفسه إنشاء وقف مالى بقيمة مليار دولار أخرى، لأغراض تطوير المشروع وتوسيعه بصورة متدرجة، وعلينا أن نعلم أن جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا فى المملكة العربية السعودية لها وقف مالى يقرب من 20 مليار دولار.
وسيحتاج الأمر بالتأكيد خلال سنوات متتالية لمزيد من الأموال التى يمكن أن يسهم بها عدد من الدول المعنية بدعم استعادة النهضة المصرية ليتم توفير هذه الأموال من خلال البنك الدولى أو البنك العربى أو صندوق الإنماء الإسلامى، بجانب التبرعات الأساسية من الشعب والحكومة المصرية. ولكن كما ذكرت سالفا لا يمكن لهذا المشروع أن يتم بدون الإرادة المصرية والدعم المصرى، ثم بعد ذلك يتم الاستعانة بمؤسسات ودول أخرى، أما العكس فى الرؤية ففى رأى لا يؤدى إلى النتيجة المطلوبة من مشروع بهذا الثقل والأهمية.

وإذا ما أخذنا فى الاعتبار أن قرابة نصف سكان مصر هم من الشباب دون الثلاثين، فإننا سنجد أن الأموال المطلوب توفيرها لإطلاق وعمل هذا الصندوق الذى سيكون من أبرز نتائج نشاطه رفع مستوى كفاءة الفرد المهنية والفكرية، وتمهيد الأرض لإرساء الديمقراطية الحقيقية والمعتمدة على تبادل الآراء، فإننا سنجد أن تلك الأموال تعد النذر القليل بالمقارنة بمئات المليارات من الدولارات التى إهدرت وسرقت من مصر، وبدون فائدة للوطن وأبنائه.

وينبغى هنا أن أشير إلى الأثر النفسى الكبير الذى يمكن أن يلعبه إنشاء مثل هذا المشروع القومى الآن. فمصر هى دولة فى حالة من السيولة، تتنازعها أقطاب مختلفة من مخلفات النظام السابق إلى تيارات تمارس السياسة باسم الدين وبسمات من التعصب وغيرها، وكل يسعى لأن تكون له الكلمة الأخيرة فى تقرير مصير هذا البلد.

ومن خلال عملية إعادة بناء ناجحة لمؤسسات تعرضت للانهيار، فإن المشروع القومى مع صندوق «اقرأ» يمكن أن يسهم فى وضع مصر على بداية الاتجاه الصحيح فى الإنتاج من أجل الاقتصاد، والفكر من أجل التقدم. والفخر والاعتزاز من أجل بناء حضارة مستقبلية لمصر.

والجميع يعرف أن الأسر المصرية تعانى من نتائج تدهور التعليم الذى حل خلال العهد السابق. وأنا أثق أن كل أسرة مصرية، وبلا استثناء، تحلم اليوم بأمرين، أولهما: هو ضمان تعليم جيد لإبناءها. والثانى: هو الإسهام فى استعادة نهضة وعزة مصر.
التاريخ.. والأمل

يعلمنا التاريخ أن البلاد يمكن أن تستعيد تجارب النجاح، ومصر قادرة على ذلك. إن مصر قادرة على أن تستعيد مكانتها فى صنع الحضارة، وأن تكون مركز النهضة العلمية والفكرية والاقتصادية فى العالم العربى.

ولكن هذا لن يتم بالجدل السياسى عن الماضى والأيدولوجيات أو بالانشقاق الوطنى بين المسلمين والمسيحيين أو بالصراع بين المذاهب أو بالطموح السياسى مع إغفال مصلحة الأمة. وهنا يأتى دور هيبة الدولة واحترام القانون، والتسامح والمصالحة الوطنية، كما يأتى ضرورة عدم استغلال بعض رجال الإعلام وأهل السياسة للأوضاع الحالية فى مصر.
مصر فى حاجة إلى نقلة نوعية، من حالة شرعية الثورة إلى حالة دولة المؤسسات، لبناء الدولة الحديثة، وهذا يتطلب المشاركة البناءة والحقيقية، ويجب التذكر أن شبابنا فى أعز المحن فى الميدان كان يردد كلمة «سلمية»، وبالتالى فهم يتوقعون أن يكون شعار كل المصريين فيما بعد الثورة هو التسامح والتعايش السلمى!
إن ثورات تغيير النظم، كما يذكرنا التاريخ، كثيرا ما يعقب مراحلها الأولى بعض الاضطرابات، وفى بعض الأحيان انقلابات، وبالتالى فإننا يجب أن نبادر بالتغيير الشامل والعمل الجاد دون تردد، لأن أى تأخير ستكون له عواقب سلبية ستتحمل مصر والمنطقة بأسرها نتائجه لعقود قادمة، إن عامل الوقت هو عامل حاسم بكل تأكيد.
ولكننى عندما أُسئَل عن ثورة 25 يناير فأقول، وكما ذكرت مرارًا فى السابق، إننى «متفائل بمستقبل مصر»، أقول هذا ليس من منطلق العواطف ولكن لمعرفتى الشخصية بطموحات شباب مصر والمستمدة من لقاءاتى معهم، وأيضًا بمعرفتى التاريخية لعبقرية مصر، فقد تجلت هذه العبقرية مرارًا، كان آخرها النصر القومى فى عام 1973 بعد هزيمة 67 الفاجعة، والآن بعد نصر 2011، لابد وأن تهزم مصر الماضى وتبنى المستقبل.
وفقنا الله جميعا لخدمة مصر.. مصر الأمل!


ثورة العرب القادمة(2-3)

أضف تعليقك تعليقات : 0
آخر تحديث: السبت 12 مارس 2011 - 10:29 ص بتوقيت القاهرة
لم يكن فى الأوضاع المجتمعية فى العالم العربى إجمالا ما يسهم فى تحسين مستوى التعليم فى الدول العربية، ذلك رغم أن أكثر من 35 بالمائة من سكان العالم العربى هم أطفال دون سن الخامسة عشرة بما كان يمكن أن يمثل مخزونا هائلا للطاقة البشرية لو أحسن تعليمهم ـ لكن ذلك للأسف لم يتحقق بعد.

فى الوقت نفسه فإن مستوى البطالة فى المنطقة العربية يتراوح ما بين 10 إلى 20 بالمائة.

وبسبب الضيق الاقتصادى فإن قدرة الاسرة المصرية على تنشئة أبنائها تعد تحديا ضخما اليوم إذا ما قورنت بما كا عليه الحال من نحو 50 عاما. ذلك بينما يبلغ عدد الأسر المعيلة من قبل النساء فى المجتمع المصرى نحو 30 بالمائة من إجمالى الأسر المصرية وذلك لجملة من الأسباب من بينها انتشار حالات الطلاق وتولى النساء مسئولية تنشئة الأبناء.
وسائل الأعلام غير قادرة
من ناحية أخرى، فإن وسائل الإعلام فى البلدان العربية لا تبدو قادرة أو مؤهلة على نشر الارتقاء بقيم العلم والتعلم وذلك رغم الزيادة المذهلة فى أعداد الجرائد والمجلات الصادرة فى هذه البلدان وبالرغم من تزايد عدد القنوات الفضائية التى تبث برامجها على شاشات التليفزيونات العربية ليبلغ أكثر من 500 قناة ــ أكثرها يعنى بالترفيه والتسلية.

منذ بضع سنوات تصادف أن تزامنت زيارتى إلى مصر مع وصول مكوك الفضاء «آوبورشيونتى» إلى سطح المريخ بعد إطلاقه من قبل وكالة ناسا. وبينما كان العالم كله يتابع وصول آوبورشيونتتى باهتمام بالغ فإن الأمر لم يكن إطلاقا على أجندة الاهتمامات المصرية لدرجة أننى لم أجد سوى خبر مقتضب عن تلك القصة العلمية الكبيرة فى واحدة من الجرائد الصباحية.

وبينما يقدر ما ينفقه المواطن المصرى فى متابعة وسائل الإعلام المتاحة لديه بثلت اليوم الفعال فإن وسائل الإعلام هذه لا تعبأ كثيرا، أو دوما، بأن تقدم لمشاهديه معلومات لها طابع الثقافة العلمية أو التحليلات العميقة لها، وبالذات على المستوى العالمى. وقد بلغ العبث مداه لدرجة أن مقدم أحد أكثر البرامج مشاهدة فى مصر تحدث عن ظاهرة التغير المناخى بسطحية غير مقبولة قائلا إنه ينبغى على العالم أن يعرف من السبب وراء تغيير المناخ: «إيه اللى غيّر الجو بالطريقة دى؟ علينا جميعا أن نعاقب المتسبب فى ذلك حتى لو كان الجانى أحد البلدان».

من ناحية أخرى فإن الثقافة فى مصر، والعالم العربى بأسره، تبدو محاصرة. ومن ظواهر حصار الثقافة هو نشأة ثقافات فرعية يمكن لها بصورة ما أن تسيطر على الثقافة الأم المشتركة بين أبناء الوطن الواحد.

وعلى سبيل المثال فى مصر، فإن هناك ثقافة مختلفة للطلاب رواد المدارس الخاصة، التى تسعى الكثير من الأسر الميسورة لإلحاق أبنائها بها بحثا عن تعليم أفضل، تختلف كثيرا عن ثقافة طلاب المدارس الحكومية حيث إن ثقافة طلاب المدارس الخاصة هى بالضرورة أقرب لثقافة البلدان المنتجة للنظم التعليمية فى هذه المدارس منها للثقافة المصرية المشتركة.
الثقافة والهوية العربية
ولا أجادل على الإطلاق فى أهمية تعليم اللغات الأجنبية ولكن ما أقوله إنه فى غياب تعليم كفؤ للغة العربية وفى غياب حضور واضح للثقافة العربية فإن طلاب المدارس الأجنبية يصبحون فى خطر الابتعاد عن لغتهم الأم وثقافتهم الأم وهو الأمر الذى يهدد على نطاق أوسع بتفتيت البناء الثقافى ــ وفى هذه الحالة أيضا الاجتماعى والاقتصادى ــ للمجتمع المصرى. وينطبق ذلك عن مجتمعات عربية أخرى أصبحت قطاعات منها، كما فى مصر، تعانى من آثار التقليد الأعمى الذى يقوم به شباب هذه المجتمعات لما يتابعونه فى برامج تليفزيونية غربية ــ بينما هذه البرامج لا تقدم بالضرورة ما يعبر عن عمق وثراء الثقافة الغربية بما فى ذلك الثقافة الأمريكية.
كما ينبغى ملاحظة أن قياس مدى تمدن وتقدم المجتمعات العربية بما تبثه تليفزيوناتها من مواد ترفيهية مأخوذة عن القنوات التليفزيونية الغربية والأمريكية هو قياس مغلوط حيث إن السعى نحو التقدم والمدنية الحديثة ليس بحال سببا لتجاوز الهوية الثقافية للدول الآخذة فى النمو والتقدم.

أما فيما يخص الدين فلقد تراجع الإيمان بالمبادئ السامية والممارسات الفضلى التى تحض عليها الأديان أمام سلوكيات هى بالأساس مظاهر شكلية قد يصل الإصرار عليها فى بعض الأحيان إلى سياقات للإرهاب المجتمعى والفكرى، بل العقائدى.

وأعتقد أن خلط السياسة والدين لخدمة أهداف سياسية هو واحد من مسببات الالتباس المجتمعى، إلى جانب ذلك فإن الانغماس فى محاولة الحصول على الآراء من شخصيات لا تتمتع بغزارة وافية من المعلومات الدينية الصحيحة تسبب فى تغييب طاقات المجتمع عن البحث عما هو منتج والاقتصار على الاهتمام بما هو سطحى وظاهر للعيان وبالتالى تغييب أسباب التفكير والتحليل بما وصل بالذهنية المجتمعية لكثير من الناس لحالة من التكلس.

ولعل أخطر ما يهدد المجتمع المصرى، على سبيل المثال، نمط من أنماط التفتيت المجتمعى يقوم فكر أصحابه على التعصب للولاء الدينى ورفض الآخر واعتماد العنف آلية للتعبير عن هذا الرفض.

إن إطلاق الحديث العاطفى الخاوى من المضمون والأفكار البناءة لا يسهم بحال فى التعامل مع المشكلات التى يواجهها المجتمع النامى، وفى رأيى فإنه ليس من سبيل لتحقيق التقدم إلا إذا ما تمسكت المجتمعات بالحرص على التوافق بين أبناء الوطن الواحد والتجأت إلى تحكيم العقل والمنطق. والطريق الرئيسى نحو هذا الهدف يبدأ عند نقطة مفصلية وهى تطوير التعليم.
الإصلاح النوعى والشامل
من الجلى أن منظومة التعليم فى حاجة لعملية إصلاح شاملة وكبرى. والعملية التعليمية، بالنسبة لأى مجتمع تقسم بين التعليم الأولى الابتدائى والاعدادى، والتعليم الثانوى والتعليم الجامعى ثم التعليم العالى القائم على البحث والتطوير.
التعليم الأولى

يعد التعليم الأولى حقا من حقوق الإنسان الاساسية، خاصة فى عصر المعرفة الذى نعيش فيه. ولا بد أن تعطى الحكومات أولوية قصوى لمشروعات محو الأمية.

ولا أستطيع أن أخفى اندهاشى أمام وضع تعيش فيه المجتمعات العربية فى عصر المعرفة اللانهائية وهى قابلة لأن يكون من بين سكانها الذين يقارب عددهم 350 مليون نسمة ما لا يقل عن 20 بالمائة ضحايا للجهل والأمية. كيف يمكن لمثل هذه المجتمعات أن تتعايش من النظم القائمة بصورة واسعة ومتزايدة على خدمات الانترنت وكيف لها أن تكون قادرة على التعامل مع أسواق عمل تعتمد بالأساس على كفاءات منقولة بالمعرفة؟ كيف يمكن لأسرة لم يحصل الأب أو الأم فيها على قدر من التعليم أن تعد أبناء لمستقبل أفضل؟

إن الدول العربية تحتاج وبشدة أن تضاعف الميزانيات المخصصة لنشر التعليم والارتقاء به. وإذا ما استمر مستوى الإنفاق الحالى على التعليم فى معظم المجتمعات العربية فإنه سيكون من الصعب جدا تطوير مستوى التعليم ونوعية المناهج أو أداء المدارس أو كفاءة المدرسين بما يمكن من تخريج كفاءات وكوادر قادرة على التعامل مع المتطلبات المستقبلية للمجتمعات التى تعيش فيها أو المتطلبات الدولية فيما يتعلق بالتشغيل وغير ذلك.

وينبغى إذن توفير المزيد من المواد للعملية التعليمية وينبغى بالتأكيد أن يكون لمشاريع تطوير التعليم أولوية وأسبقية على مشاريع أخرى مثل إنشاء تجمعات سكنية مكلفة للطبقة الميسورة من المجتمع وغير ذلك من المشاريع التى تتعلق بترف الحياة وليس برفع نوعية الحياة والأداء المجتمعى.
تحسين وضع المعلمين

وينبغى أيضا تحسين مستوى دخول المعلمين على أساس الكفاءة وتقييم الاداء.

إن فى ذلك الحل للقضاء على العملية التعليمية الموازية المعروفة بالدروس الخصوصية التى تنفق عليها الأسر المصرية من الطبقة المتوسطة مبالغ لا تتناسب مع مواردها الاقتصادية فيما يمثل جزءا أساسيا من إجمالى الإنفاق على التعليم فى مصر ويتنافى مع افتراضية مجانية التعليم.

ويجب أن يكون للقطاع الخاص دور ما فى الارتقاء بالعملية التعليمية فى إطار من إعادة صياغة العملية التعليمية ذاتها لتكون قائمة على التكاملية بين الأسر وبين المدارس مع الأخذ فى الاعتبار أن آليات العملية التعليمية تختلف من حالة إلى أخرى وأنه ليس من السهل وجود حل نموذجى محدد يمكن لأى من كان ــ حتى لوزراء التعليم أنفسهم ــ أن يقدمه للمشاكل الكثيرة والملحة التى تواجه العملية التعليمية حاليا.

وعليه فإن مشاركة الأسر فى العملية التعليمية لها دور تربوى وأكاديمى مهم.
التعليم العالى

إن التعليم العالى فى مصر يواجه مشاكل جمة تكاد تجعله غير ذات جدوى كبيرة بالنظر خصوصا إلى تراكم أعداد الطلاب ومحدودية الموارد المخصصة للإنفاق على العملية التعليمية. ولقد حان الوقت لإعادة النظر فى المنظومة الحالية لعملية التعليم العالى التى تدهورت عبر العقود الماضية، وهى بالتأكيد لم تعد مناسبة للعصر الحالى ولا أمام التحديات الراهنة. إن الوقت قد حان للاعتراف بأن منظومة التعليم العالى لم يعد من الممكن أن تبقى قاصرة على سياق واحد فى الجامعات الرسمية وأن هناك مجالا للاستفادة من نظام متطور يجمع التعليم العالى المتخصص مع التعليم الخاص الأهلى أساسه التكافؤ والتكامل وهدفه إفادة الطلاب كل حسب اهتماماته وقدراته العلمية وكذلك إمكانياته الاقتصادية.

فى الوقت نفسه يجب القول إن الجامعات الخاصة لا ينبغى لها أن تتجاوز كونها مؤسسات تعليمية يفترض فيها أن تقدم القدوة فى الاهتمام بالبحث العلمى ووسائله ولا أن تتحول إلى مؤسسات هدفها الأساسى هو تحقيق الربح.

إن الجامعات الخاصة يجب أن تحتفظ بهيبتها الأكاديمية وأن تبقى مؤسسات للتنمية غير هادفة للربح.
القدرات البشرية

وعلى سبيل المثال فإن ولاية كاليفورنيا تقدم الدعم لجامعة كاليفورنيا ولعدد من الهياكل التعليمية التابعة لها بما فى ذلك كليات مخصصة لتعليم الكبار غير أن لكل من المؤسسات التعليمية المنضوية تحت مظلة جامعة كاليفورنيا هدفا تعليميا محددا تقوم به فى إطار عمل المنظومة التعليمية المتكامل بما يضمن تنوع الفرص التعليمية أمام مختلف الطلاب وبما يهدف فى النهاية احتياجات المجتمع بالنسبة لسوق العمل وما إلى ذلك، لنجد أنفسنا فى النهاية أمام آلية كفؤة لتقديم الخدمات التعليمية، بصورة تأخذ فى الاعتبار الفروق الفردية من حيث الاهتمامات العلمية والوقت المتاح للعملية التعليمية وكذلك الموارد الاقتصادية، ثم الاستفادة من هذه الخدمات التعليمية وتخريج الكوادر البشرية النافعة للمجتمع.


إن الأسر التى لديها مكانة اقتصادية جيدة ينبغى لها أن تسهم فى تحمل أعباء العملية التعليمية فى المرحلة الجامعية بالضبط كما كانوا يفعلون أثناء سنوات التعليم المدرسى، حيث كانوا يقدمون لأبنائهم تعليما خاصا، أو كما كانوا سيفعلون لو أرسلوا أبناءهم لتلقى التعليم الجامعى خارج البلاد.

أما الطلاب الذين ليس لديهم القدرة الاقتصادية فيجب أن يؤمن حقهم فى الحصول على تعليم جيد سواء من خلال المنح التعليمية التى يتم تقديمها بناء على القدرات التعليمية للطلاب أو من خلال الاقتراض المصرفى المقنن من أجل دفع مصاريف التعليم فى إطار يراعى أهمية التعليم واحتياجات الطلاب وقدرات حديثى التخرج على سداد هذه القروض.

وإذا عدنا إلى المثال المتعلق بكاليفورنيا سنجد أنه إلى جانب جامعة كاليفورنيا والمؤسسات التعليمية التابعة لها يوجد أيضا بعض من أهم الجامعات الخاصة فى العالم مثل جامعة كالتك وجامعة ستانفورد. وتقدم كل من كالتك وستانفورد مستوى رفيعا للغاية من التعليم كما أن بهما تخرّج رواد كبريات الشركات الأمريكية مثل جوجل وانتل، وإلى جانب ذلك فإن جامعة كالتك وجامعة ستانفورد هما يمثلان منارات العلم التى تحافظ على هيبة أكاديمية رفيعة فى إطار عملهما كمؤسسات لا تهدف لتحقيق الربح المادى، وتعتمدان على مصاريف مرتفعة نسبيا يدفعها الطلاب المنتسبين لهما وعلى إعانات تقدمها جهات وافراد مختلفة بغرض دعم العملية التعليمية والبحثية وأوقاف مخصصة للنشاط الأكاديمى لكل من الجامعتين.
البحث العلمى
أما فيما يتعلق بتغطية تكاليف البحث العلمى فإن ذلك يتم من ميزانيات الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة الأمريكية وهيئاتها المختلفة ومن خلال منح يقدمها القطاع الخاص. وتعد المؤسسة الوطنية للبحث العلمى واحدا من أهم ممولى نشاطات البحث العلمى وهذا نموذج يمكن للدول العربية أن تستلهم منه ما يسهم فى قيامها بإنشاء آليات ومؤسسات تعنى بالبحث العلمى.

وأود أيضا أن أقترح على وزارات الدفاع فى العالم العربى أن تقوم بتخصيص جزء من ميزانياتها لدعم أغراض البحث العلمى والتنمية فى دولها حتى لو أن المواضيع محل البحث العلمى لا تبدو مرتبطة بصورة مباشرة باهتمامات وأغراض وزارات الدفاع اليوم لأن آفاق التطور العلمى تتوسع وتتداخل بسرعة كبيرة.

وفى الشرق الأوسط تمكنت كل من تركيا وإسرائيل فى إنشاء مؤسسات خاصة تعنى بالبحث العلمى. ففى تركيا أصبحت جامعة بيلكانت واحدة من أهم دور البحث العلمى وهى تحصل على مواردها المالية من مكاسب تحققها تركيا فى مجالات مختلفة مثل بناء مشاريع كبرى على المستوى الدولى، ومثال ذلك عمليات الإسهام فى تشييد مطارات وتوسعات للميناء الجوى فى كل من مصر وقطر وكذلك بيع المنتجات الالكترونية للعديد من المصانع.

وقد كان هذا النموذج الذى طبقته تركيا حديثا هو اقتراحى لمصر منذ قرابة عشر سنوات ــ ولقد ضمنت كتابى «عصر العلم» بتفاصيل هذا المقترح الذى قدمته فى حينه للحكومة المصرية.

فى الوقت نفسه فإن إسرائيل تمكنت من خلال اعتمادها على المؤسسات الخاصة للبحث العلمى أن تصبح واحدة من أهم الدول المنتجة للتكنولوجيا وذلك من خلال عمل استغرق عشرين عاما.

الخلاصة هنا أن الأساليب المتبعة فى التعليم العالى فى مصر فى حاجة ماسة إلى إعادة النظر والتطوير، إن احترام الحقائق والعلم هو أمر اساسى فى هذا الصدد وهو السبيل الأكيد لتطوير العملية التعليمية كما أنه أحد أهم الوسائل المضمونة لتغليب قيمة التفكير المنطقى والمتزن فى سياق الثقافة المجتمعية.

إن الدول التى تكتظ فيها قاعات الدرس الجامعى لا يتحقق للطالب أن يتمكن من الحصول على تعليم جيد.

وعندما كنت طالبا فى جامعة الاسكندرية كنت أحضر مع ستة طلاب آخرين فصول التجارب المعملية وكان متاحا لكل واحد منا أن يستخدم الأدوات المعملية وأن يكون له الفرصة الكاملة لإجراء التجارب اللائقة بطلاب العلوم فى ذلك الوقت.

واليوم ومع تزايد كبير فى أعداد الطلاب فيمكن أن يتم الاستعاضة عن ذلك التعامل المباشر مع أدوات التعلم بأساليب تعتمد أكثر فأكثر على الانترنت والتعلم والتواصل عن بعد.

ولقد رأيت تطبيقات فعلية لهذا النهج التعليمى فى كل من تركيا وماليزيا وأستطيع القول إن هذه الطريقة هى أفضل بكثير من محاولة تعليم الطلاب المواد العلمية عن طريق التلقين والحفظ.

ويجب تأهيل الكليات العلمية بالصورة التى تمكن الدارسين فيها والمعلمين بها من الحصول على أحدث التقنيات العلمية والتزامهم بإجراء دراسات دورية بما يسمح بأن يتم تقييم الجميع على أسس أكاديمية بحتة تسمح بحصولهم على الدعم والمكافأة المادية حسب مستوى الإنجاز والأداء.
الهيئة المهنية والأكاديمية

على مسار متلازم ينبغى الاهتمام بتطوير التعليم المهنى وذلك بغرض رفع مستوى الكفاءة على نطاق وطنى أوسع ـ ويتطلب ذلك إيجاد ثقافة لا تقلل من شأن التعليم المهنى بل وتقدره بما يشجع على الانخراط فيه من قبل الطلاب.

إن مثل هذا النوع من التعليم يرفع من القدرة الإنتاجية للمجتمع عن طريق توسيع دائرة الحاصلين على المعرفة الفعلية وتطوير البنية التحتية.

إلى جانب ذلك ينبغى التوقف عن القبول بالحاق أعدادا كبيرة من الطلاب تتجاوز قدرة الاستيعاب للجامعات العاملة، وكذلك ينبغى إيجاد حل لظاهرة الدرجات التعليمية الكبيرة بصورة لافتة التى يسعى إليها طلاب المدارس الثانوية بغرض الالتحاق بالجامعات وتلك التى يحصلون عليها عند التخرج من هذه الجامعات.

وإنى أتذكر أننى حصلت على ما يقارب 90 بالمائة عند تخرجى وكان ذلك إنجازا ولكن ذلك لا يقاس بما يحصل عليه بعض الطلاب الآن من درجات نهائية تفوق أحيانا المائة فى المائة. إن أقصى ما يمكن لطالب أن يحصله منطقيا ينبغى ألا يتجاوز المائة فى المائة حتى لو كان مستحقا لبعض التشجيع أو الدرجات مقابل نشاطات أكاديمية أو تعليمية مختلفة.

إننى أتفهم نظام الحوافز ولكن لا يجب أن يكون تطبيق هذا النظام على حساب ضمان جودة الأداء أو أن يتحول لوسيلة للتلاعب بالكفاءات الحقيقية.

إن الارتقاء بالتعليم العالى يتطلب بالضرورة الارتقاء بالأسس التى يتم عليها السماح للطلاب الالتحاق بالجامعات والكليات المختلفة وفى نفس الوقت استعادة الجامعات لهيبتها الاكاديمية التى نالها الكثير من التراجع فى الفترة الأخيرة. إننى أتذكر مشاعر الاعزاز التى خالجتنى فى أول يوم دراسى لى بكلية العلوم بجامعة الاسكندرية حيث كانت لهذه الجامعة ولتلك الكلية فى ذلك الوقت هيبة كبيرة.

وأخيرا فإن الحرم الجامعى ينبغى أن يكون دوما ساحة للعلم والثقافة وليس مجالا للصراعات السياسية والدينية. ويجب ألا يتجاوز دور الأمن فى الجامعة حدود التأمين ويجب ألا يتداخل مع حق الطلاب الأكيد فى النقاش والحوار والقيام بنشاطات متعددة ـ وفى حال ما رأت إدارة الجامعة مدعاة لرفع نطاق الأمن فإن ذلك يجب أن يكون مسئولية حرس الجامعة وليس مسئولية جهاز الشرطة.


ثورة العرب القادمة (3-3)

أضف تعليقك تعليقات : 0
آخر تحديث: الأحد 13 مارس 2011 - 11:06 ص بتوقيت القاهرة
 فاهيم فى التنمية
يعد البحث العلمى هو ثالث وآخر مراحل الهرم التعليمى. وفى هذا الصدد يجب البدء بالقول إنه لا يمكن لأى دولة أن تحقق إنجازا حقيقيا فى مجالات البحث العلمى لو لم يكن لديها خطة واضحة يتم تنفيذها بكفاءة من أجل توفير موارد على المدى الطويل لأغراض البحث العلمى. وفى غياب هذه الخطة يصعب تصور وجود أى التزام من قبل المجتمع أو من قبل القطاع الخاص للالتزام بمشاريع وأهداف البحث العلمى والإسهام فى تمويله.

يجب أيضا القول إن الدول النامية يمكن لها أن توجد لنفسها مكانا على الساحة الدولية فى سنوات ليست بالكثيرة على العكس مما يقال من أن الأمر يحتاج إلى جيل أو جيلين.. ومن أمثلة ذلك ما حققته الصين والهند وكوريا الجنبية وماليزيا، وما تحققه الآن كل من الهند وتركيا.

بالإضافة إلى هذا، يجب القول إنه من الخطأ أن ينظر إلى البحث العلمى ومجالات تطبيقاته على أنه رفاهية لا تملكها الدول النامية، لأن ذلك القول ثبت خطأه، حيث تمكنت العديد من الدول النامية بل والفقيرة أحيانا من تخطى الحاجز الفاصل بينها وبين نظيراتها المتقدمة بمزيد من الاستثمار الوافر فى مجالات البحث العلمى والتنمية.

وأخيرا، إنه لن يمكن الاستفادة من البحث العلمى فى تحقيق التنمية لو لم يتم الاستثمار فى نشر وتطوير منظومة التعليم التى تشمل العلوم والرياضيات والتكنولوجيا والهندسة.
البيئة المواتية

إن البحث العلمى الهادف للوصول إلى نتائج جيدة يتطلب بالضرورة أن يقوم الباحثون بالعمل فى بيئة مواتية للبحث ومشجعة على التنسيق بين الدارسين لمختلف المجالات العلمية ولا يمكن الوصول إلى هذا السياق عن طريق إجراء ترتيبات إدارية تبدو مشجعة للبحث العلمى ولكنها فى الحقيقة لا تؤدى الغرض منه، لأن البحث العلمى لا يحقق نتائجه إذا ما تم التعامل معه بمناهج بيروقراطية. كما أن الاهتمام بإنشاء مبان كبيرة تخصص لأغراض البحث العلمى لا يكفى وحده فى غياب العلماء والطلاب القادرين على تحقيق الأغراض المأمولة.

ولا يجب أبدا إلهاء اهتمام الطلاب وأعضاء هيئات التدريس عن أغراض البحث العلمى بإشغالهم فى أمور مثل ربط الترقيات بأعداد، وليس بجودة، الأبحاث، وما إلى ذلك من الأمور الإدارية، كما لا يجب محاولة تحويل القيادات العلمية القادرة على الدفع بالبحث العلمى لأدوات سياسية لأن ذلك ببساطة يعنى أنه لن يكون لدى أحد الوقت ولا الطاقة اللازمة للانشغال بالبحث والمعرفة.

وفى الوقت نفسه، فإن توفير الموارد الخاصة بالبحث هو أمر أساسى، لأن العقول المبتكرة لا تستطيع تحقيق الإنجازات فى غياب الأدوات والموارد اللازمة. إن الدول التى تهتم بتوفير متطلبات وموارد البحث العلمى هى ذاتها الدول التى ستحظى بالعديد من براءات الاختراع للاكتشافات العلمية الجديدة.

البحث عن آفاق جديدة للمعرفة هو نقطة الانطلاق لتحقيق نجاحات فى التنمية، كما أن توفير مراكز للتميز هو بالتأكيد الساحة التى يستطيع من خلالها الشباب من العلماء تقديم ابتكارات حديثة.

مراكز التميز

إن تجربتى الشخصية تقول إن الانجذاب إلى العلم يرتبط بالأساس بمتعة الاكتشاف التى بدأت فى حالتى عندما كنت طالبا فى المدرسة أحاول فك شفرة احتراق المادة. وفى هذه السن المبكرة، فإن رؤية تحول احتراق الخشب لغازات يمكن إشعالها بأعواد الثقاب كان بمثابة اكتشاف شكل فيما بعد المستقبل العلمى.

وعندما انظر حولى وأحاول الإجابة عن السؤال المرتبط بالأسباب الكامنة وراء كون جامعة كالتك ـ حيث أمضيت العقود الثلاثة الأخيرة من العمل ـ عريقة تخرج فيها 35 من الحائزين على جائزة نوبل فى العلوم والطب، فإننى أجد نفسى أمام إجابة واضحة للغاية وهى أن جامعة كالتك تؤمن فعلا بأن البحث العلمى يجب أن يكون متعة العلماء الجادين، وأن توفير الموارد والأجواء المناسبة للعلماء هو أساس الإنجاز فى البحث العلمى ـ وذلك كله يتم بعيدا عن الأجواء البيروقراطية أو السياقات السياسية.

وقد حان الوقت لمصر، كما لغيرها من الدول العربية، أن تبادر بتبنى هذا النهج، وأن تعمل على تأسيس وإطلاق مراكز للتميز، وأن تقوم بتوفير الموارد اللازمة للبحث العلمى وتطبيقاته. ولا يجب أبدا أن يكون الاهتمام ببناء مثل هذه المراكز أقل درجة للحكومات العربية من المدن الإعلامية المهولة التى تم إنشاؤها فى كثير من العواصم والمدن العربية. فى الوقت نفسه، يجب أن يكون لهذه المراكز القدر اللازم من الاستقلالية بما يسمح لها ببناء هياكلها الأكاديمية والإدارية تبعا لحاجاتها ومتطلبات العمل بها. كما أنه من الضرورى فى الإطار نفسه أن يتم إيجاد طريقة مناسبة لتوفير المنح التعليمية لمن يستحقها ولتوفير الهيبة الأكاديمية والاحترام اللازم للأساتذة العاملين فى مثل هذه المراكز.

بالتوازى مع إنشاء هذه المراكز، يجب أن تعمل الحكومات على زيادة البعثات التعليمية للخارج التى توفرها لشباب الباحثين، على أن تكون هناك البيئة المستقرة عند العودة إلى الوطن لاستئناف ما تلقوه من أساليب ومعارف خلال تلك البعثات بعيدا عن معوقات البيروقراطية وإلا تحولت تلك البعثات إلى إضاعة للمجهود والموارد المالية.

فجوة المعرفة

إن التحدى الماثل أمامنا فى العالم العربى يتعلق بتقليل الفجوة الفاصلة بيننا وبين العالم فى الكثير من مجالات المعرفة.

إننى أتذكر عندما كنت طالبا للدراسات العليا فى أمريكا فى الستينيات حيث كان الاتحاد السوفييتى قد سبق فى الوصول بالقمر الصناعى «sputnik» بالدوران حول الأرض، بينما كانت أمريكا لديها مشروع لغزو الفضاء الخارجى، بدأت أولى خطواته بوصول رائد الفضاء نيل آرمسترونج وسيره على سطح القمر فى 1969. واليوم، فإن أمريكا تقوم بإرسال مركبات فضائية وربما أيضا رواد فضاء إلى سطح المريخ وليس فقط القمر. إن العلماء يبحثون عن حيوات على سطح كواكب أخرى غير كوكب الأرض بغرض الوصول إلى موارد جديدة ومتجددة بل وربما، كما هو الحال بالنسبة لبعض الحكومات، التمكن من السيطرة على ما يدور على كوكب الأرض من خلال الفضاء الخارجى.

فى المجال الطبى، فإن الأبحاث والاكتشافات وصلت لدرجة من التطور أنها أصبحت تجرى على الجينات والخلايا بما يفتح آفاقا جديدة لتطوير عقاقير تساهم فى الشفاء من أمراض مستعصية.

إن العلماء أصبحوا قادرين على اجتزاء خلايا من الجلد البشرى كامل النمو وتحويلها إلى خلايا جذعية لاستنشاء أنسجة جديدة للقلب والعيون وأجزاء أخرى من الجسد البشرى. ومثل هذا النوع من التقدم الطبى كان بالتأكيد أمرا غير متصور من عشرين عاما مضت.

وفى العالم الميكرسكوبى لتطبيقات النانو تكنولوجى، فإن العلماء أصبحوا قادرين للمرة الأولى فى تاريخ البشرية من التعامل مع المادة من منظور رباعى الأبعاد، بما يمكنهم من الرؤية والتحكم فى المكان والزمان فى مسافة أقل من واحد على البليون من المتر وبسرعات زمنية فى أقل من واحد على مليون من البليون من الثانية. ومن شأن هذه التقنية الحديثة التى عملت على تطويرها مع فريق البحث العلمى فى جامعة كالتك ان تفتح آفاقا غير مسبوقة فى مجالات التطبيقات العلمية للمادة وفى مجالات العلوم الطبية والحيوية.

وما هذه إلا مجرد نماذج من أمثلة عديدة أخرى لتوضيح الفرق بين الدول التى تمتلك المعرفة وتلك التى لا تمتلكها.

والغرض من هذا، هو إيضاح مدى سطحية التفكير القائل بأن البحث العلمى هو مجرد رفاهية لا تقدر عليها كل المجتمعات. إن البحث هو الباب الذى يطرق الانسان للتوصل إلى معارف لم تكن تدور بخلده وليس فقط للتوصل إلى أن يعرف أكثر عما حصّله بالفعل من معارف.

المعرفة والتقدم
تقوم الحضارات وترتقى على أساس المعرفة، وتسقط عندما تتداعى أسباب هذه المعرفة، وتخبو إلى نقطة الاختفاء. ولقد بلغت الحضارة العربية والثقافة الإسلامية مستواها الأرفع عندما آمن قادة الأمة بأهمية العلم وقيمة المعرفة، وسعوا فى سبيل ضمان حقوق الإنسان وحرية العقل وحقه فى التفكير، فكان فى ذلك طريقا نحو تحقيق التقدم.

ولا توجد صعوبة كبيرة فى الحفاظ على المعرفة ونقلها، ولكن الصعوبة تكمن فى صناعة المعارف الجديدة، وهو الأمر الذى يتطلب أيضا استثمارا للمال والجهد دون توقع للربح على المدى القصير، مع إدراك أن ذلك من شأنه أن يكون مربحا وبشدة على المدى الطويل.
ولعل فى مثالين فقط من العديد من أمثلة الاختراع العلمى مثل استخدامات الليزر والترانزستور ما يوضح كيف يمكن للاكتشافات العلمية أن تكون مربحة على المدى الطويل، فهذان الاكتشافان حققا نقلة مذهلة فى مجالات الخدمات ومد الأسواق بحجم هائل من المنتجات.

إلى جانب ذلك ينبغى علينا أن ندرك أن المعرفة هى وسيلة من وسائل إثراء الثقافة والارتفاع بشأن المجتمع عن طريق ترجيح أسباب العقلانية والتعامل مع الحقائق المجردة بعيدا عن أسباب الكراهية والبغضاء والممارسات العنصرية.

وفى العصور الحديثة تراجعت بل وانعدمت أحيانا إسهامات العرب فى إيجاد المعارف الحديثة وتطويرها، وعلى ذلك فإن المجتمعات العربية أصبحت فى مواجهة تحديات كبيرة بعضها ينال من قدرة المجتمعات العربية على تحقيق أسباب التوسع الاقتصادى والحفاظ على الهوية الثقافية. والمشكلة الرئيسية هنا هى ذلك التردى الذى أصاب العملية التعليمية.

ولتكن الأمور واضحة للجميع، فبدون التعليم الجيد لن يتمكن أحد من تحقيق التقدم ـ مع الأخذ فى الاعتبار أن التقدم لا يقاس بالقدرة على شراء واستهلاك الابتكارات المنتجة فى الخارج.
الرؤية السياسية
تحتاج المجتمعات العربية للتحرك نحو بناء نهضة جديدة تقوم على ركيزة التعليم الحديث والسعى نحو تبنى العلم وانتهاج البحث وسيلة لتحقيق التنمية التى تحتاج إلى تطبيقات التكنولوجيا كما تحتاج للتفاعل المجتمعى. وقد يظن البعض أن هذا الأمر مستحيل، ولكنه ليس كذلك. إن المجتمعات العربية لديها بالفعل القدرة والإمكانات على بناء نهضة جديدة.
وإننى على ثقة من قدرة مصر على تحقيق النجاح بالرغم من كل التعقيدات والمشكلات التى تحيط بالتعليم والبحث العلمى فيها وبالرغم كذلك من المشكلات المتعلقة بالحكم فى مصر.

لقد أصبحت كل من تركيا وإيران قوتين بازغتين فى عالم الشرق الأوسط وإذا لم تتمكن مصر من اللحاق بهما، فإن قوة وتأثير العالم العربى فى المنطقة ستتراجع بالتأكيد.

كما أن العديد من الدول الإسلامية، مثل تركيا وماليزيا وقطر، تمكنت من تحقيق نقلة نوعية فى تطوير التعليم، وهو ما أسهم بالتأكيد فى تحسين الصورة النمطية لدى عالم اليوم عن الدين الإسلامى والثقافة الإسلامية. ولكن الحقيقة التى لا جدال فيها أن الوصول إلى التنمية هو أمر له متطلبات عديدة ينبغى الوفاء بها كاملة.

ولا يمكن ضمان تحقيق تغييرات مهمة وتقدم حقيقى فى العالم العربى فى غياب الرؤية السياسية السديدة والإرادة السياسية على أعلى مستوى فى دول العالم العربى. فى الماضى كان ممكنا ـ كما نعلم نحن فى العالم العربى ـ أن يغلق الحاكم الأبواب على دولته ولكن ذلك لم يعد الحال، ولن يكون ممكنا أبدا بعد اليوم. وعلى من لا يدرك ذلك أن ينظر حوله ليرى حرص كل منزل، فقيرا كان أم ميسورا، أن يكون لديه طبق يلتقط إرسال الأقمار الصناعية فيتابع قنوات إقليمية وعالمية ليتعرف عما يحدث فى العالم حوله وبحيث أصبح العالم بأسره مفتوحا أمام أولادنا، وعن طريق الفيس بوك ورسائل الموبايل أصبح من الممكن قيام ثورات لإسقاط أنظمة ديكتاتورية.

المستقبل.. العلم والإيمان

وفى سعينا نحو مستقبل أفضل، يجب ألا نقبل بأن يكون هناك نزاع بين العلم والدين. إن الهدف من التعليم هو بناء القدرات والخبرات الذهنية والبدنية والنفسية للشخص، وعلى هذا، فإن التعليم يهدف لتجاوز رغبة الأشخاص فى ممارسة التعنت الفكرى، كما أن أصل كلمة التعليم لغويا كامن فى كلمة علم والعلم هنا يراد به المعرفة. إن التعليم هو الوسيلة التى تنقل بها المجتمعات ما لديها من خبرات ومهارات وقيم من جيل إلى آخر ـ وهو بالتالى النسيج الذى تحاك به الحضارات.

ويتميز الإنسان عن غيره من الكائنات بقدراته العقلية وعلينا بالتأكيد أن نستفيد من هذه الميزة وأن ندرك أن حياة الإنسان تحتاج للعلم كما تحتاج للإيمان. ولقد كانت لمصر تجربة ناجحة فى استلهام الإيمان واستخدام العلم لبناء حضارتها القديمة وهى بالتأكيد قادرة على فعل ذلك مرة ثانية. منذ عقود قليلة قال طه حسين، واحد من أهم الأدباء المصريين المعاصرين، إن العلم كالماء والهواء ـ ففى العلم إذن تكمن الحياة.

واليوم، فلدى العرب فرصة لاستعادة مكانة لائقة لهم فى التاريخ، وتجاوز أسباب التخلف الذى أسقطهم فريسة للاستعمار الغربى ـ وإن كان هذا الاستعمار هو فى ذاته جزء من المشكلة التى واجهت العرب بتداعياتها فيما بعد.

لقد حرصت القوة الاستعمارية دوما على أن تمارس السيطرة الثقافية إلى درجة يمكن وصفها باضطهاد وازدراء ثقافات الآخر، ولكننا لا ينبغى أن نبقى أنفسنا أسرى تاريخ الاستعمار الذى انقضى أو نترك أنفسنا لنقع فريسة لنظريات الفكر التآمرى. علينا أن نبدأ بالعمل ـ ونقطة البداية يجب أن تكون ساحاتنا الداخلية والمشاكل التى تعتمل بها، فبدون إيجاد حلول لهذه المشكلات لا أمل لدينا فى غد مشرق.

إن «الحرية والمعرفة والإيمان» هى المحددات الثلاثة لعمل مؤسسة أحمد زويل للمعرفة والتقدم الكائنة بالقاهرة. وبهذه المحددات الثلاثة يمكن لنا إعادة بناء النهضة الحديثة لعالمنا العربى لتشرق علينا إضاءات فجر جديد وعصر جديد هو عصر العلم.

واليوم، فعلينا أن نختار بين أن نكون 350 مليون نسمة من أهل الكهف أو نكون 350 مليون نسمة من أهل الكون.


قران كريم