لا أحد يستطيع إنكار أن ما تمر به مصر الآن لابد وأن يربك الكثيرين ويشوش أفكارهم ويخلط الأمور على الكثيرين، خصوصاً وأن الانخراط في الأحداث المتسارعة المتلاحقة يقلل من قدرتنا على التفكير السوي ويغلق أفق بُعد النظر. ولكني مازلت أَزعَج كثيراً لرؤية بعضاً ممن يتميزون بالحصافة وحسن تقدير الأمور تأخذهم سكرة العنف وتعميهم عن حقائق واضحة وتجارب تاريخية عشناها معاً ليس بالبعيد.
إن ما تقوم به جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين والجماعات الإسلامية من العنف وحمل السلاح ومهاجمة منشآت الدولة والكنائس والأقباط يخرجهم قطعاً من نطاق الخصوم السياسيين ويدفعهم دفعاً إلى خانة الإرهاب المنظم. قطعاً هناك الكثيرون من الأعضاء لا يحملون السلاح ولكن الجماعة منظمة وأفعال أعضائها يوصمها كتنظيم بالإرهاب. إن مثل تلك الجماعة التي هددت مراراً بحرق مصر إذا لم يتم تنفيذ رؤيتها السياسية واليوم نراها بالفعل تحرق مصر امام أعيننا، يصعب – إن لم يكن مستحيلاً – إدماجها في الحياة السياسية، خصوصاً وقد حنثت بوعودها لكل شركاءها السياسيين وعادتهم في مرحلة ما من عُمر الثورة، كيف يمكن الوثوق بها مرة أخرى؟ كيف لنا أن نجعلها جزءً من المعادلة السياسية ونحن نعلم أنها يمكن أن تشهر سلاحها حين لا يتم تنفيذ رؤيتها؟ أقول صعب، إن لم يكن مستحيلاً! الغالبية العظمى من المصريين مقتنعون أن استمرار جماعة الإخوان المسلمين بصورتها الحالية خطر على الأمن القومي وعلى المواطنين، لابد أن نعترف بذلك وأن يدرك ويعترف أعضاء التنظيم بذلك أيضاً، لا مناص من تفكيك التنظيم، لا مناص!
ولكننا في غمرة تلك الأحداث وشدة العنف تناسينا أو تجاهلنا منطق الأمور وما تعلمناه من تجاربنا السابقة وتجارب التاريخ و تركنا نزعة العنف داخلنا تطغى على أي صوت للعقل وانخرطنا مع الجميع في التسبيح في فلك الحل الأمني والضرب من حديد على أيدي الإخوان وتسابق الكل في المزايدة والتعميم ووصم كل أعضاء الإخوان بالإرهاب وتخوين كل من ترحَم أو نفض يده عن دماء الأبرياء ممن لم يحملوا السلاح، إنها سَكرَةُ الدم!
إن الحل الأمني والقتلى الذين ماتوا في الأيام السابقة لن يؤدي إلى شيء سوى استمرار التنظيم وتفريخ جماعات جديدة أغلبها متطرف، إن حظر الجماعة والحزب لن يؤدي إلى شيء سوى عودة التنظيم إلى العمل السري، إن منع الإخوان من العمل السياسي سيدفعهم للعمل المجتمعي أو المسلح! كلها أشياء لا تؤدي إلى تفكيك التنظيم، هذا ما رأيناه في 80 عاماً من تاريخهم، يجب أن نتذكر أخطاء الماضي وتجاربه وأن ننحو منحاً جديداً وإلا فإننا إما أغبياء أو مجانين. الحل الأمني وحده لا يُجدي! إن ما أدى إلى شعبية الجماعة هو عملهم السري والمجتمعي وما قدموه للفقراء من مأكل وملبس ومشفى وتعليم وفي غياب كامل لأي دور للدولة وليس الدين فقط كما يدعي الكثيرون، كما أن ما أفقدهم شعبيتهم هو انكشاف فشلهم وقلة خبرتهم وجشعهم وسلطويتهم حين ظهروا إلى السطح ولم يعملوا في الخفاء.
إن اعتقال ومحاكمة القيادات وحتى الصف الثاني والثالث والرابع وحظر عملهم لن ينهي بأي حال من الأحوال الجماعة ولن يفككها، ودعوني أسأل ما مصير عائلات الذين قتلوا والذين سيتم اعتقالهم، هؤلاء (تلك العائلات) سيكونون الوقود الذي تتغذى عليه الجماعة لسنوات وعقود، سيحتضنهم التنظيم وسيرعى مأكلهم ومشربهم وتعليمهم وحتى توظيفهم، والأهم ضمهم للتنظيم بولاء غير مسبوق، هذا ما فعله ويفعله التنظيم، وهذا ما يجعل ارتباط الأعضاء بالتنظيم وولاءهم غير لا مراء فيه، وللأسف هذا ما قدمته الحكومة لهم على طبق من فضة بالطريقة السيئة التي فَضَت بها الاعتصام وكم القتلى الذي سيستخدمه التنظيم كبُكائية يتغذى عليها لعقود وعقود!
إن السبيل لتفكيك التنظيم هو دفعهم للظهور وليس دفعهم للعمل في الخفاء. بالتأكيد كل من ثبت تورطه في الجرائم يجب أن يحاكم وكل من يخالف القانون مكانه السجن، لا خلاف أو جدال على ذلك، ولكن عودة الدولة البوليسية والاعتقالات التعسفية لن يفيد وإلا لكان اختفى التنظيم في الستينيات، كم سيتم اعتقالهم وكم سينضم للتنظيم من عائلات هؤلاء المعتقلين في العقدين القادمين؟ أدعو الجميع للنظر أبعد من الأسابيع والشهور القادمة! كم من العمليات الإرهابية والإرهابيين سينجم عن الأحداث الحالية لسنوات قادمة؟
أزعم أن الحل في تفكيك التنظيم يقع في تجفيف منابع التمويل الغير قانونية وإخضاعهم للرقابة، في دفعم إلى العمل في العلن وليس دفعهم للعمل مجدداً في الخفاء، في دفعهم للعمل السياسي الغير مبني على استخدام الدين ومعاقبتهم سياسياً إن فعلوا، في وقف استقطابهم للفقراء والمعدمين بتحسين خدمات الدولة، في احتضان الدولة لعائلات المسجونين والذين قتلوا في الأحداث وليس تركهم للتنظيم ليتغذى ويقوى عليهم، في العمل على الإحتواء وكسر القيادة الداعية للعنف والإرهاب والعمل مع المُتَعَقلين منهم على وقف العنف وليس بمقابلة العنف بالمزيد من العنف والدخول في دائرة العنف المفزعة، في الضرب بيد من حديد على منفذي العنف والداعين له وليس بوصم الجميع بالإرهاب، في الحث على المراجعات الأيديولوجية وليس حظرها لأن الأفكار لا تموت ولكنها تُراجع وتتغير، في تقديم البديل السياسي والديني والفكري والمجتمعي من باقي الأحزاب وليس انخراط تلك الأحزاب “الليبرالية” و”اليسارية” في التفكير في كيفية تدمير الجماعة، في تعليم الشعب وتوعيته وتغيير محور حديثه إلى ما له علاقة بالاقتصاد والسياسة وبدائلها وليس في المحاولة العقيمة للسيطرة عليه من قبل الدولة بالخطاب الديني. إن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأفرادها وعائلاتهم – وكذا السلفيين – لن يختفوا من بيننا ولن نستطيع – ولا يجب أن – وضعهم جميعاً خلف الأسوار، أفيقوا من سكرة العنف والكراهية وانظروا لمستقبل بعيد يقبل فيه المصريون الاختلاف وينتهي فيه حاجة المصريين للتنظيم وما على شاكلته، فذلك هو الأمل الوحيد، فالحل مع الجماعة ليس فقط “حل الجماعة”
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق