الخميس، 29 يوليو 2021

بر الوالدين

*قصة مبكية والله ..*

تقول: تقدم أحدهم لخطبتي وكان شرطه الوحيد للزواج هو الإعتناء بوالدته .. أخبرني بأنه لن يطلب مني أكثر من ذلك فقط أراعي أمه وقت غيابه .. فأمه طريحة الفراش منذ عشرة أعوام .. فبعد وفاة والده لم يبق له سواها من الحياة ..

قال لي: فقط هذا شرطي الإعتناء أمي .. 

كانت أمه تعرضت لحادث سير مرعب فقدت معه التحكم في جسمها بالكامل وشلت أطرافها .. وكان هو القائم برعايتها ..

ولكن نظرا لدراسته وعمله هناك أوقات يغيب عنها وهي بحاجه إلى أدويه واهتمام .. فكرت كثيرا وتحيرت أكثر .. فهذا كأنه بحاجه إلى خادمة وليس زوجه..

تكلمت مع والدي الذي خفف من ضجيج تفكيري وقال لي : اسمعي يابنتي أنا أؤمن جدا بأن صنائع المعروف تقي مصارع السوء ..

وشخص كهذا حريص على والدته لن يضيعك ولن يظلمك حقك .. إن أحبك أكرمك .. وإن كرهك لن يظلمك .. فإذا كنتِ ستراعين أمه وستضعينها في مقام أمك فاقبلي ابنتي .. وإذا كان الشيطان سيجد بابه إلى قلبك فيحملك على ظلمها .. فقولك لا .. أسلم لكِ.. 

تزوجنا فعلا .. وفي أول ليله لي معه أخذني إلى غرفتها ..

صُعقت من منظر الغرفة كانت قمة في الجمال .. ألوانها .. ترتيبها .. وسائل التدفئة فيها .. مختلفة تماما عن باقي البيت .. تركني واقترب من سريرها كانت نائمه أخذ يهز كتفها برفق قائلا : ماما .. لقد أحضرت هديتي لكِ .. هذه زوجتي ألا تريدين رؤيتها !!! 

فتحت عينيها برفق ونظرت له بابتسامه ودعت له ثم حولت نظرها علي .. لا أستطيع وصف تلك اللحظة .. عيونها مليئة بألم وثغرها مبتسم بحُزن .. كان وجهها كالقمر في ليلة تمامه .. هادئ جدا لإمرأه في السبعين من عمرها .. 

قالت : مُبارك عليكِ بنيتي زفافك .. وأدعو الله أن يهدي لكِ صغيري هذا .. وأن يرزقك ولدا بارا مثله .. وألا تكوني ثقيلة عليه مثلي .. ثم ذرفت عينيها دموعا أشبه بفيضان سمح له بالجريان .. 

سارع لمسح دموعها بكم بذلته وقال : هذا الكلام يغضبني وأنتِ تعلمين ذلك ... أرجوكِ ماما لا تعيدها .. واقتربت أنا منها وقبلت يدها ورأسها وقلت : آمين ماما ..

مرت أيامي في هذا البيت ودهشتي فيه تزيد يوما بعد يوم .. كان هو من يغير لها الحفاظ .. وكان يحممها في مكانها بفرشاة الإستحمام .. وكان يُبلل لها شعرها .. ويسرحه لها وعندما تألمت من المشط أحضر لها مشطا غريبا كان من الورق المقوى ناعم من أجل فروة رأسها .. كان قد رآه في أحد الإعلانات التجارية ..

أحضره لها .. سُرت جدا بذلك المشط .. كان يضفر لها شعرها في جديلتين صغيرتين .. كانت تخجل عندما يفعل لها ذلك وتبتسم بحياء وتقول : ألست صغيرة على هذا أيها الولد .. كان يرد : عندما يُعجب أحدهم بكِ فستشكريني .. 

عندها تغرق في ضحك عميق .. كنت أراه من خلف ذلك الضحك ينظر لها كطفل ما زال في السادسة من عمره .. حقا كان يحبها جدا ..

لا أعرف ماذا قصد عندما أخبرني بأنه يريدني أن أعتني بها .. هو يفعل كل شيء .. أخبرني بأن وقت خروجه وعمله يستثقله عليها بأن تكون فيه وحيده .. 
كنت أستغرب كيف يجد وقت لكل ذلك .. فقط كنت أنا أساعدها في تناول وجباتها وأخذ أدويتها .. هذا كل دوري ..

أحببت علاقته بها جدا .. كان متعلقا بها وهي أكثر .. كان يستيقظ في الليل على الأقل ثلاث مرات لينقلها من جانب لآخر حتي لا تُصاب بقروح الفراش وليطمئن عليها ..

كان مع كل مناسبه يحضر لها ملابس جديدة .. ويشعرها بجو تلك المناسبة بمساعدة التكنولوجيا ..

وفي أحد المرات كان قد نسي إحضار حفاظ لها .. وعندما استيقظ ليلا للإطمئنان عليها شم رائحة قذارة فعرف أنها قد أطلقتها على نفسها .. كانت تبكي جدا وتقول آسفه حدث ذلك رغما عني .. كان منهمكا في تنظيفها وهي تبكي وتقول : أنت لا تستحق مني ذلك.. هذا ليس جزاء لائقا بك .. أدعو الله أن يُعجل بما بقي لي من أيام .. أخبرها قائلا : أفعل ذلك أمي بنفس درجة الرضا التي كنتِ تفعليها بها في صغري .. وبكيتُ أنا .. هذا الرجل فعلا رزق ..

أنجبت منه ولدا .. تمنيت أن يكون مثله في كل شيء .. فحملته وذهبت به عند جدته ووضعته في حضنها وقلت لها : أريده مثل ابنك .. فابتسمت وقالت : صغيري هذا رزق لي .. والرزق بيد الله عزيزتي .. فادعي الله أن يُربيه لكِ .. 

كانت حياته كلها بركه وخير .. لم يتذمر منها قط لا أمامي ولا أمام غيري .. 

كانت رائحته تفوح بالبر بأمه حتى ظننتُ أنها تكفي جميع العاقين ..

بر الوالدين قصة تكتبها أنت ويرويها لك أولادك، فأحسن كتابتها ..

*اللهم ارزقنا رضى والدينا، وبر والدينا، وحب والدينا .. آمين آمين ♥️*

ليست هناك تعليقات:

قران كريم