لوحة سيريالية
وقف يتأمل لوحة الفنان الشهير الذى التف حوله الجمهور، وقد انتفخت أوداجه وانتفش فى حلته التى لا تختلف كثيرا عن اللوحة المعروضة فى تنافر ألوانها ولا معقوليتها، وكان يلقى على الحضور شرحا مستفيضا حول معنى اللوحة وإحساسه بها والمعاناة التى شعر بها حتى خرجت للنور.
فكان يصغى له ويتأمل اللوحة عساه يجد رابطا ما بين ما يحكيه ذلك الفنان ذو المقام العالى وما يراه أمامه على الجدار، ولكنه سرعان ما انصرف عن مطالعة اللوحة وكف عن الاستماع لكلمات ذلك الفنان المكررة، والتى لا يتغير فيها إلا اسم اللوحة فى كل معرض جديد. انصرف عنه ليتأمل تلك اللوحة الحية التى أمامه والتى تزداد تفاصيلها مع كل معرض يقام، حيث تتسع القاعة أكثر فأكثر، وتزدحم بالرواد مع كل’’بينالى‘‘، وذلك بفعل الماكينة الإعلامية التى تلهج بالثناء عليه وعلى عبقريته الفذة.
وعبثا حاول تذوق شيئا من عمل ذلك الفنان دون جدوى، ولم تختلف لوحة هذا العام والتى فازت بالجائزة عن سابقاتها فى شيء، فقد زخرت بالخطوط المتباينة فلا تدرى لها استقامة من اعوجاج، كما حفلت بالألوان المتنافرة الخالية من أى جمال أو ذوق مثلها فى ذلك مثل الجمهور الذى انهمك فى استعراضه ومتابعته، بل واستراق السمع أحيانا.
ففى طرف قصى من القاعة انتحى عاشقان جانبا وقد بدا على الشاب من ثرثرته المتواصلة محاولاته المستميتة لإبهار الفتاة والتى بدورها استماتت فى إخفاء ضجرها والظهور بمظهر المفتتن بما يقول. وعلى جانب آخر رهط من الشباب الجامعى المتثاقف، الذين جاءوا لمتابعة الفنان العظيم والاطلاع على آخر إنتاجه، ثم بضعة وجوه مألوفة متناثرة هنا وهناك من صغار الفنانين والنقاد المأجورين ووجوه المجتمع التى لا يربط بينها سوى حب الظهور فى معية المثقفين والفنانين. كما لاحظ وجود حسناء خشنة المظهر تتحرك هنا وهناك بصورة لافتة للنظر، وكأنما تتجاهل حسنها وتهمل هندامها لتعود وتبحث عن سبيل آخر للفت الأنظار والظهور بمظهر النساك ذوى الاهتمامات الجادة.
بيد أن أكثر ما لفت انتباهه أن السواد الأعظم من الحاضرين كان من فئة محدثى النعمة، وكان هؤلاء هم الأكثر التصاقا والأكثر حرصا على الإصغاء والمتابعة ومن ثم ادعاء الفهم وإبداء الإعجاب باللوحة المذكورة.
وحين أمعن النظر مجددا، تراءت له اللوحة وقد هبطت عن الجدار وتماهت مع الجمهور فصارا شيئا واحدا. خليط متنافر لا نسيج يحكمه. وأحس بغربة عن المكان وكاد يشك فى ذوقه بل وفى عقله، فهل يعقل أن تكون تلك اللوحة التى يراها الجميع ذروة الإبداع وآية الجمال هى نفسها اللوحة المرتسمة أمامه؟!! هل يحتاج إلى نظارات؟! بل هل يحتاج إلى ذائقة جديدة تعينه على الإحساس بها مثل الآخرين؟!
ولم يخرج من صخب أفكاره إلا على تصفيق الجمهور وهو يحيى الفنان حين فرغ من محاضرته، وتناهى إلى سمعه همسة من أحد الحاضرين للواقف بجواره بأن يصفق كى لا يتهم بعدم الفهم.
فى تلك اللحظة فقط عادت إليه روحه، وتذكر مبتسما تلك القصة التى قرأها صغيرا، عن الملك الذى وقع ضحية حيلة اثنين من المحتالين ـ وأقنعاه بأن لديهما ثوبا لا يراه إلا الأذكياء، وكيف أن الملك خاف أن يعرف الناس أنه لا يرى شيئا فيضيع ملكه، ولم يدر ألا أحد يمكنه رؤية الهواء، وخرج متبخترا فى موكبه عريانا ليهتف الشعب بجمال ثوبه ـ وكاد يضحك مقهقها حين وصل بالذكرى إلى عبارة: ’’إن الملك عريان.‘‘
وانصرف وهو يهمس لنفسه راضيا: ’’حقا، إن الملك عريان‘‘.
من مجموعتى القصصية "فرشاة أسنان وحيدة"
وقف يتأمل لوحة الفنان الشهير الذى التف حوله الجمهور، وقد انتفخت أوداجه وانتفش فى حلته التى لا تختلف كثيرا عن اللوحة المعروضة فى تنافر ألوانها ولا معقوليتها، وكان يلقى على الحضور شرحا مستفيضا حول معنى اللوحة وإحساسه بها والمعاناة التى شعر بها حتى خرجت للنور.
فكان يصغى له ويتأمل اللوحة عساه يجد رابطا ما بين ما يحكيه ذلك الفنان ذو المقام العالى وما يراه أمامه على الجدار، ولكنه سرعان ما انصرف عن مطالعة اللوحة وكف عن الاستماع لكلمات ذلك الفنان المكررة، والتى لا يتغير فيها إلا اسم اللوحة فى كل معرض جديد. انصرف عنه ليتأمل تلك اللوحة الحية التى أمامه والتى تزداد تفاصيلها مع كل معرض يقام، حيث تتسع القاعة أكثر فأكثر، وتزدحم بالرواد مع كل’’بينالى‘‘، وذلك بفعل الماكينة الإعلامية التى تلهج بالثناء عليه وعلى عبقريته الفذة.
وعبثا حاول تذوق شيئا من عمل ذلك الفنان دون جدوى، ولم تختلف لوحة هذا العام والتى فازت بالجائزة عن سابقاتها فى شيء، فقد زخرت بالخطوط المتباينة فلا تدرى لها استقامة من اعوجاج، كما حفلت بالألوان المتنافرة الخالية من أى جمال أو ذوق مثلها فى ذلك مثل الجمهور الذى انهمك فى استعراضه ومتابعته، بل واستراق السمع أحيانا.
ففى طرف قصى من القاعة انتحى عاشقان جانبا وقد بدا على الشاب من ثرثرته المتواصلة محاولاته المستميتة لإبهار الفتاة والتى بدورها استماتت فى إخفاء ضجرها والظهور بمظهر المفتتن بما يقول. وعلى جانب آخر رهط من الشباب الجامعى المتثاقف، الذين جاءوا لمتابعة الفنان العظيم والاطلاع على آخر إنتاجه، ثم بضعة وجوه مألوفة متناثرة هنا وهناك من صغار الفنانين والنقاد المأجورين ووجوه المجتمع التى لا يربط بينها سوى حب الظهور فى معية المثقفين والفنانين. كما لاحظ وجود حسناء خشنة المظهر تتحرك هنا وهناك بصورة لافتة للنظر، وكأنما تتجاهل حسنها وتهمل هندامها لتعود وتبحث عن سبيل آخر للفت الأنظار والظهور بمظهر النساك ذوى الاهتمامات الجادة.
بيد أن أكثر ما لفت انتباهه أن السواد الأعظم من الحاضرين كان من فئة محدثى النعمة، وكان هؤلاء هم الأكثر التصاقا والأكثر حرصا على الإصغاء والمتابعة ومن ثم ادعاء الفهم وإبداء الإعجاب باللوحة المذكورة.
وحين أمعن النظر مجددا، تراءت له اللوحة وقد هبطت عن الجدار وتماهت مع الجمهور فصارا شيئا واحدا. خليط متنافر لا نسيج يحكمه. وأحس بغربة عن المكان وكاد يشك فى ذوقه بل وفى عقله، فهل يعقل أن تكون تلك اللوحة التى يراها الجميع ذروة الإبداع وآية الجمال هى نفسها اللوحة المرتسمة أمامه؟!! هل يحتاج إلى نظارات؟! بل هل يحتاج إلى ذائقة جديدة تعينه على الإحساس بها مثل الآخرين؟!
ولم يخرج من صخب أفكاره إلا على تصفيق الجمهور وهو يحيى الفنان حين فرغ من محاضرته، وتناهى إلى سمعه همسة من أحد الحاضرين للواقف بجواره بأن يصفق كى لا يتهم بعدم الفهم.
فى تلك اللحظة فقط عادت إليه روحه، وتذكر مبتسما تلك القصة التى قرأها صغيرا، عن الملك الذى وقع ضحية حيلة اثنين من المحتالين ـ وأقنعاه بأن لديهما ثوبا لا يراه إلا الأذكياء، وكيف أن الملك خاف أن يعرف الناس أنه لا يرى شيئا فيضيع ملكه، ولم يدر ألا أحد يمكنه رؤية الهواء، وخرج متبخترا فى موكبه عريانا ليهتف الشعب بجمال ثوبه ـ وكاد يضحك مقهقها حين وصل بالذكرى إلى عبارة: ’’إن الملك عريان.‘‘
وانصرف وهو يهمس لنفسه راضيا: ’’حقا، إن الملك عريان‘‘.
من مجموعتى القصصية "فرشاة أسنان وحيدة"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق